مدونة زاهر الهنائي
أكاديمي بجامعة السلطان قابوس

الأربعاء، 6 نوفمبر 2013

ترجمة مقدمة الكتاب الألماني "من الجبر إلى السكر"

"من الجبر إلى السكر: الكلمات العربية في اللغة الألمانية"
"من الجبر إلى السكر: الكلمات العربية في اللغة الألمانية" للكاتب الألماني أندرياس أونجر بمشاركة أندرياس كريستيان إيزلبا، صدر سنة 2007 عن مطبعة فيليب ركلام يون بمدينة شتوتجارت الألمانية، يتتّبع الكتاب تأثير اللغة العربية في لغات أوروبا الغربية بشكل عام ويركز على الكلمات العربية في اللغة الألمانية، كما يتميز بالنظرة الموضوعية والإيجابية لتأثير الحضارة الإسلامية العربية في أوروبا، الكتاب بحق ثروة ثقافية تاريخية تؤرخ وتتتّبع المصطلح العربي في المجالات المختلفة من مادة العلم (الجبر) حتى مادة الأكل (السُّكّر) كما يوحي بذلك عنوان الكتاب "من الجبر إلى السكر Von Algebra bis Zucker"، حَفَل الكتاب بألفاظ كثيرة دلّت على عمق التأثير الحضاري للمسلمين في أوروبا ومدى افتتان سكان هذه البلاد بما ازدهرت به هذه الحضارة التي امتدت من الأندلس غربا إلى بلاد السند شرقا، الكتاب مادة علمية دسمة، وتتسم مقالاته بالاكتناز المعرفي اللغوي والعلمي والتاريخي والأدبي، يقع الكتاب بطبعته الحالية في 270 صفحة تقريبا مع الملاحق، وقد تضمن مقدمة حول أسباب هذا التأثير وفترات أوجه وضعفه مع ضرب بعض الأمثلة على ذلك، وفي نهاية المقدمة تم ذكر المعايير التي على أساسها تم اختيار الكلمات، وضع الكاتب بعد ذلك قائمة تشرح الاختصارات التي استعملها في مقالات الكتاب، وقائمة أخرى في كيفية نطق الأصوات العربية المبثوثة في ثنايا الكتاب، ثم شرع في صلب المقالات متبعا النظام الأبجدي فابتدأ بـ(Admiral الأمير) وانتهى بـ( Zuckerالسكر)، كما احتوى الكتاب على ملاحق تبين المراجع والمصادر المختلفة التي اعتمد عليها، وعلى سرد زمني مختصر للحضارة العربية منذ القدم حتى الإمبراطورية العثمانية، كما ضمت الملاحق بعض الصور التوضيحية عن طريق الخرائط لمراحل من الخلافة الإسلامية حوالي 750م، ومنطقة البحر المتوسط قبل الحروب الصليبية 1096م، وكذلك امتداد الإمبراطورية العثمانية حوالي 1600م، وفي نهاية الكتاب يجد القارئ ثبتا يسجل ويوثق أعلام الأشخاص والأماكن وبعض الكلمات ذات الأصل العربي التي لم تخص بمقالات منفردة وإنما جاءت عرضا في الكتاب.
يُنتظر أن تصدر طبعة جديدة للكتاب منقحة ومزيدة في يونيو القادم 2013، سيكون لنا موعد آخر عندما تصدر هذه الطبعة للحديث عنها، وهذه ترجمة لمقدمة الكتاب:
يقول السيد أونجر:
" هل هناك "صدام بين الحضارات" (صامويل هنتنجتون)؟ إن نظرة في تاريخ الكلمات العربية في اللغة الألمانية تجعلنا نتبنى رؤية أخرى مختلفة ألا وهي ما يسمى بـ "تداخل الحضارات" أو "حوار الحضارات وتأثير بعضها في بعض" (كلود ليفي شتراوس). وما يدعو إلى تبني وجهة النظر هذه أمران، أحدهما أن تعقب التاريخ اللفظي والثقافي لمصطلح ما من بداية ظهوره إلى الوقت الحاضر يمكّننا بجلاء من استقراء ذلك الطريق الذي سلكته هذه المكتسبات الثقافية بين مختلف الشعوب والحضارات. والأمر الآخر أن اللغة العربية هي اللغة غير الأوروبية التي اقترضت منها معظمُ لغات الجزء الغربي من أوروبا. وهذا ليس مصادفة؛ فغالب تلك الكلمات قد انتقلت إلى هذه اللغات في العصور الوسطى، التي أشاد فيها المسلمون حضارتهم بدايةً من القرن الثامن الميلادي، هذه الحضارة التي افْتَتَن بها سكان تلك البلاد فغلب كثيرٌ من مظاهرها على جوانب كثيرة من حياتهم.
ولكن ظهور هذه الحضارة ونشأتها قد استند منذ القدم إلى عوامل ساعدت على قيامها، منذ حضارة بلاد العرب السعيدة التي اشتهرت بتجارة اللبان[1]، وكان مجيء الإسلام واجتماع القبائل العربية تحت قيادة النبي محمد "عليه الصلاة والسلام" (ت: 632م) أدى إلى دفعة ثقافية وسياسية قوية، مكّنت المسلمين في قرن من الزمن من تشييد حضارة امتدت من الأندلس إلى بلاد السند، وقد كان للسياسة التي اتسمت بالحكمة والتسامح، ولا سيّما مع اليهود والمسيحيين، أكبرُ الأثر في تقبلهم للمسلمين الفاتحين واستقبالهم والتعاطف معهم، ومن ثّمّ اندمجوا في المجتمع الإسلامي، وكانوا وسطاءَ للمعارف والمكتسبات الجديدة، إذ أسهموا بترجمتها من اللغة اليونانية والفارسية[2] إلى اللغة العربية، إضافة إلى ذلك أدى ظهور تجارة منظمة لدى المسلمين إلى التعرف على مكتسبات ثقافية وحضارية ومنتجات جديدة من الصين[3] والهند[4]، وكذلك من أفريقيا[5]، التي أصبحت بعد ذلك تُصنَع صناعة محلية في بلاد المسلمين، وقد قاد حبُّ الاستطلاع المسلمين أيضا إلى نقل نصوص علمية كثيرة من علوم الفرس والهند ولا سيّما علوم اليونان إلى العربية، فاستفادوا منها وطوروها بعد ذلك[6]، وقد توسعت حركة الترجمة بانتشار المكتبات وتجارة الكتب. ومن اللافت أن العرب أخذوا كثيرا من تسميات هذه المكتسبات الجديدة من علوم ومعارف بأسمائها التي كانت عليها في الأصل وأدخلوها في لغتهم، وهذا يفسر: لماذا يبدو ما يقرب من النصف من الكلمات التي عالجها هذا الكتاب غير عربية الأصل؟
لقد احتوت اللغة العربية هذه الحضارة بمكتسباتها ومعارفها الجديدة، وأصبحت لغةَ العلم والتأليف حتى لدى غير المسلمين الذي انضووا تحت حكم البلاد الإسلامية، فالطبيب "المسيحي" الفارسي الطبري (ت: حوالي 865م)، الذي يرد اسمه كثيرا في هذا الكتاب، قد ألف كتبه بالعربية، مع أنه أسلم قبل وقت قصير من وفاته، وكذلك حال الطبيب اليهودي الأندلسي موسى بن ميمون الذي اضطر إلى ترك بلاده بسبب سياسة الموحّدين، وقد كان الطبيبَ الخاصَّ لابن السلطان صلاح الدين في القاهرة، وتوفي 1204م.
صادف سكّانُ أوروبا الغربية[7] هذه الحضارة في الأندلس وصِقلَّية، وكذلك من خلال الحروب الصليبية في الشام وفلسطين، وأيضا في إطار تجارة منطقة البحر المتوسط والمدن الإسلامية التي كانت بمثابة موانٍ تجارية، وقد حاول هؤلاء قبل كل شيء محاكاةَ ما رأوه من ترف ورُقيّ في هذه الحضارة، فعلى سبيل المثال، نجد في مواضع كثيرة من ملحمة (بارتسيفال Parzival) لولفرام فون إيشينباك[8] (Wolfram von Eschenbach): أن نبيل أوروبا الغربية كان يسعى جاهدا إلى إبراز مكانته الاجتماعية بما يستورده من الذهب والأحجار الكريمة[9]، وقِطَع الحرير[10]، والسلع الغذائية[11]، والتوابل الغريبة[12]، ومواد العطر[13]، وأيضا عن طريق ممارسة بعض الفنون والعادات[14]، ولكنْ لم يتوقف الأوروبيون عند هذا المستوى من التأثر والمحاكاة بل أخذوا كذلك المعرفة المتراكمة لهذه الحضارة، فمنذ نهاية القرن الحادي عشر الميلادي نشأت مدارس الترجمة[15] ولا سيّما في مجال الطب والصيدلة[16] والرياضيات[17] والكيمياء والفلك والتنجيم[18] والجغرافيا والفلسفة (تُرجمت هذه المعارف إلى اللاتنية)، وقد دخل عدد كبير من الأسماء العربية لمواد التخدير في الوصفات الطبية المترجمة[19]. كما كان للتواصل التجاري عبر البحر المتوسط دور مهم في انتقال التقنية والأجهزة التي ابتكرها المسلمون إلى أوروبا.
قام الأوروبيون بعد ذلك بتطوير هذه المكتسبات من العلوم والمعارف، مثلَما حصل في العالم الإسلامي قبل قرون، فخليط الكبريت (نترات الصوديوم والفحم) مثلا اكتسب أهميته الكبيرة بداية حين صنع منه البارود، ثم باختراع البندقية بعد ذلك[20]. وقد أدى هذا التطور في أوروبا إلى حدوث تغير في طبيعة العلاقة بين المسلمين والعالم الغربي الأوروبي، ففي مقابل تصدّع الخلافة وركود البحث والابتكار في العالم الإسلامي حصل نموٌّ اقتصادي لدى أهل البندقية و"جَنَوا" وكذلك في برشلونة وفرنسا، في منطقة البحر المتوسط، وبذلك شهدت هذه الفترة تراجع الاستيراد الأوروبي من الحضارة الإسلامية، وكان من الطبيعي نتيجة ذلك أن يَقِلّ اقتراض الكلمات العربية، إذ أخذ الأوروبيون يبحثون في جذور اللغة اللاتينية ويستمدون منها التسميات الجديدة للحضارة الناشئة ولا سيّما في مجال الطب، ولكنّ هذا الاتجاه الجديد خفّ قليلا في القرنين 16 و17 الميلاديين بسبب التأثير الثقافي للإمبراطورية العثمانية في أوروبا، مما أتاح دخول بعض الكلمات العربية إلى اللغات الأوروبية مرة أخرى[21]. ولكن هذا التطور المعرفي والصناعي المتنامي في أوروبا أدى إلى أن يَطويَ النسيانُ كثيرا من دلالات الكلمات ذات الأصل العربي، فكلمة (Lack)[22]على سبيل المثال كانت تدل على مادة خام كانت تستعمل لأغراض طبية وأيضا استخدمت لأغراض الصبغ والتلوين، وقد ضاق معناها بمرور الوقت وبقي مقصورا في الألمانية المعاصرة على معنى الطلاء في مجال التصنيع، وفي القرن 18 الميلادي أصبح الاقتراض اللغوي من العربية قليلا يكاد يُحصَر في أدب الرِّحلات[23] أو في إطار المشاريع الاستعمارية[24]، وفي العصر الحديث أسهمت العولمة والعادات الجديدة[25]، وكذلك هجرة المسلمين إلى ألمانيا[26]، في دخول بعض الكلمات العربية إلى اللغة الألمانية. 
لقد تأخر وصول الكلمات العربية إلى اللغة الألمانية، وقد تمت عملية الانتقال عبر لغات أوروبية أخرى وسيطة، وكان ذلك متزامنا أيضا مع انتقال اللاتينية الوسطى إليها عبر الإيطالية والفرنسية، ويرجع هذا في المقام الأول إلى فقدان الاتصال الحدودي المباشر بين ألمانيا والبلاد الإسلامية، وكذلك عدم وجود اتصال تجاري في منطقة البحر المتوسط، وقد دخلت هذه الكلمات في الغالب عن طريق الابتكارات وعبر الموضة من إيطاليا أو فرنسا، التي كانت في الأصل كلمات عربية، فمثلا، كلمة  mataraffe(في اللغة الإسبانية) استُمدّت من الكلمة العربية "مَطْرَح"[27]، وقد ظهرت أول مرة في القرن العاشر الميلادي في إسبانيا، وقد يكون وصولها (matraz) إلى اللغة الألمانية الوسطى عن طريق الإيطالية أو الفرنسية، وكانت تدل على السلعة الكمالية ذات القيمة المرتفعة، وقد ظهرت بهذا المعنى حوالي 1200م في ملحمة نيبلونجن ليد (Nibelungenlied) وأيضا بعد ذلك بقليل في ملحمة البارسيفال (Parzival)، لكن الكلمة (Matratze)[28]، التي تستعمل اليوم في اللغة الألمانية المعاصرة، قد أخذت من الإيطالية في القرن الخامس عشر الميلادي، إذ (materazzo) في الإيطالية تعني الفراش الذي يوضع على السرير، وقد توسع استخدام الكلمة بعد ذلك تدريجيا.
هذا وقد كان أساس اختيار الكلمات في هذا الكتاب يرجع في المقام الأول إلى أن الكلمة قد ثبت أخذها من العربية قطعا، فالكلمات التي لم يقطع بأنها من التأثير العربي قد تم إهمالها، كـAlmanach المناخ، Farbe اللون، Fata Morgana فتى مورجانة،  Mafiaالمافيا، Scharlach الحمّى القرمزية، Risiko الخطر، Tabak التبغ، وغيرها من الكلمات. أما المعيار الثاني فهو أن تكون الكلمة معروفة في اللغة الألمانية ولها رسوخها وحضورها، ولهذا السبب لم يتم ذكر بعض أسماء المواد المخدرة والتوابل كـ Gelgant وKubebenfeffer، لأنها مصطلحات يعرفها بعض الصيادلة فقط، وكذلك أيضا على سبيل المثال die Zibeben (الزبيب)، إذ كانت معروفة حوالي 1900م، إذ استعملها الشاعر كريستيان مورجنسترن Cristian Morgenstern[29] حينما قال:
أنا لا أصطاد النوارس
أفضل أن أتركها تعيش
وأطعمها خبز الجاودار
والزبيب الأحمر
أما الكلمات الأخرى الكثيرة، التي هي غير معروفة بعض الشيء، والتي ذكرت عرضا في مقالات الكتاب فقد تم توضيحها في الثَّبَت الذي بآخر الكتاب، وفيه أيضا ذكر لبعض أعلام الأشخاص والأماكن والشعوب التي عادة لم يُتعرض لها بالتوضيح في صلب المقالات، وقد تم كذلك الإشارة، بقدر الإمكان، إلى بعض الكلمات التي تكاد تكون معروفة اليوم والتي تُظهر التأثير الإسلامي العربي في غرب أوروبا في جميع المجالات المهمة، ولكن بعض ذلك بدا غيرَ ممكن لعدم شيوع المصطلح في اللغة، من ذلك مصطلحات علم التشريح والأمراض وكذلك المصطلحات الفلسفية: فالوريد الصافن (die vena saphena) مثلا هو مصطلح ذو أصل عربي لكنه يُعرف في مجال الطب والتشريح فقط. كما أنه لم يصل إلى اللغة الألمانية في مجال الفلسفة تأثير من شرح ابن رشد (ت:1198م) وتعليقه على كتاب أرسطوطاليس الذي أثار الجدل حول العلاقة بين العقل والإيمان في أوروبا الغربية.
     




[1] Myrrhe  شجر المرّ
[2] Karat قيراط، Schach شطرنج
[3]  Ries رزمة  الورق
[4] السكر (Zucker)، والأرقام (Ziffer))
[5] Gamasche جلد غداميسي نسبة إلى مدينة غدامس
[6] Algebra علم الجبر
[7] سكان الإمبراطورية الرومانية الغربية سابقا والمناطق المتاخمة.
[8] من أشهر الشعراء والأدباء الألمان صاحب ملحمة بارتسيفال الشهيرة، توفي 1220م.
[9] Azur لازوارد نوع من الأحجار الكريمة.
[10] Baldachin نوع من الأقمشة الحريرية نسبة إلى بلد الرشيد بغداد.
[11] Zucker سكر
[12] Falafel فلافل
[13] Ambra عنبر
[14] Schach شطرنج "شاه"
[15]  عندما ترجم قسطنطين أفريكانوس (ربما هو أحد التجار (من تونس اليوم) الذين تحولوا إلى النصرانية) أعمالا عربية إلى اللغة اللاتينية للمدرسة الطبية في ساليرنو  بنابولي (Salerno bei Neapel)
[16] Mumie مومياء
[17] Ziffer الأرقام (die arabische Ziffer)
[18] Zenit سَمْتُ الرأس: في علم الفلك هو نقطة من الفلك ينتهي إليها الخط الخارج من مركز الأرض على استقامة قامة الشخص، ويقابلها في آخر القطر الممتد في اتجاه القدمين إلى أسفل نقطة - النظير، ويتوقف موقع سمت الرأس والنظير على موضع الراصد على سطح الأرض, فإذا كان الراصد عند قطب الأرض الشمالي كان قطب السماء الشمالي في سمت رأسه ويتعين النظير دائما باتجاه جاذبية الأرض. (من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة)
[19] Kampfer الكافور
[20] Natron نترون، Kaliber قالب
[21] Kaffee قهوة، Sofa أريكة (صفّة)، Lila اللون النيلي
[22] لفظ هندي في الأصل نقله العرب إلى أوروبا، جاء في لسان العرب: "اللَّكّ صِبغ أحمر تصبغ به جلود المعزى للخفاف وغيرها، وهو معروف."
[23] Kadi القاضي
[24] Razzia غزوة، Saffari سفر
[25] Safran زعفران، Hamam حمّام
[26] Moschee مسجد، Islam إسلام، Falafel فلافل
[27] استُعمل لفظ المَطْرَح لدى العرب للدلالة على المسكن والمجلس ونحوهما ولا يزال حتى الآن، وقد تأتّى هذا المعنى مما كان يصنعه البدو العرب في خيامهم من طرحهم وإلقائهم للفرش والوسائد والنجد في أماكن جلوسهم واكتسب بعد ذلك شيئا من الأبّهة في ظل الحضارة التي نشأت في المدن والحواضر، ومن هنا دلت اللفظة في اللغة الألمانية بعد تطورها سواء في اللغة الوسطى على المادة الكمالية الغالية كمدلول ترفي أو بمعنى فراش السرير في اللغة المعاصرة.
[28] كلمة في اللغة الألمانية المعاصرة تعني فراش السرير المحشوّ بمادة لينة كالإسفنج وغيره الذي ينام عليه الإنسان.
[29] شاعر وكاتب ومترجم ألماني اشتهر بالشعر الهزلي مع أنه كان جزءا يسيرا من أعماله، توفي 1914م.

السبت، 30 يونيو 2012

حتى يصدر الرعاء



يستعمل القرآن الكريم صيغ الألفاظ استعمالا دقيقا في سياقاتها تتحقق به البلاغة، إذ هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال، ومما يتجلى فيه ذلك صيغ الجمع، فكما هو معلوم أن صيغ الجمع في العربية متعددة، فمنها السالم ومنها المكسر، فالسالم ينقسم إلى قسمين مذكر ومؤنث، وجمع التكسير متعدد الصيغ، فللقلة منه صيغ كما للكثرة صيغ، وقد يجمع لفظ ما بصيغ متعددة، ولكن السياق هو الذي يوجه إلى استعمال الصيغة الأنسب، من بين هذه الصيغ المتعددة لكل لفظ تتعدد، صيغ جمعه خارج السياق، فالسياق كما قيل هو سيد المعنى، ولكن نظرا لضعف السليقة اللغوية والجهل بالمعاني الدقيقة لكل صيغة، ينشأ هذا الخلط في الاستعمال، وهناك أمر مهم قد ساعد على هذا الخلط وعدم التفريق بين صيغ الجموع وهو قلة العناية - فيما وصل إلينا من مؤلفات - بهذا الباب، الذي يحاول بيان الفروق الدلالية الدقيقة بين الصيغ، سواء كانت صيغ الجموع أو صيغ المصادر، أو الصيغ المختلفة للمبالغة أو الصفة المشبهة وغيرها من الصيغ، فالباحث في هذا الموضوع يجد مشقة وعنتا، فمن يقصد المعجمات يجد حشدا كبيرا لإيراد صيغ جمع للفظ معين، دون بيان للفروق المعنوية بين صيغة جمع وأخرى، انظر مثلا في مادة (ش ي خ) في الصحاح أو اللسان أو غيره، تجد أنه يورد عشرة جموع لكلمة شيخ: "والجمع أشياخ وشِيخان وشيوخ وشِيَخة وشِيْخة ومَشْيَخة ومِشْيَخة ومَشِيْخة ومَشْيُوخاء ومَشايِخ" (يُنظر لسان العرب)، هذا أمر المعجمات، وإذا أتيت إلى كتب الصرف وجدت الأمر نفسه يتكرر، إذ العناية بإيراد الأبنية دون تفريق بين صيغ الجمع، وتجد أحيانا أنه يُفرَّق بالقول جمع كثرة أو جمع قلة، ويكتفى بذلك، مع أنك تجد أن لفظا واحدا له جمعان للقلة أو أكثر، فلا يشار إلى الفرق بينها، على سبيل المثال نجد أن من جموع كلمة الشيخ، كما سبق الحديث عنها، أشياخ وشِيْخة، وكلاهما جمع قلة، فما الفرق بينهما في المعنى؟!، وإذا أتيت إلى كتب التفسير وجدت الأمر المكرور المعاد، فكلٌّ ينقل عن الآخر في ذكر الأبنية والصيغ المتعددة ولا التفاتة إلى أمر المعنى، وإذا استغرقت في البحث والتنقيب فقد تجد شذرات من هنا وهناك، وهذا حقا أمر عجيب يستحق أن نقف معه وقوفا طويلا للبحث والدراسة، نحاول به كشف هذا السر المعمى، الذي حدا هذه المؤلفاتِ على الغض عن تجلية الفروق المعنوية بين هذه الأبنية المختلفة ولا سيما ما جاء في القرآن الكريم، مع أنك تجد تلك العبارات من مثل: "القرآن معجز بلفظه" وغيرها، مما يجعلك تظن من أول وهلة أنك ستجد مادة واسعة في تبيين الفروق الدلالية بين صيغ الجمع مثلا، أو المصادر أو المبالغة أو الصفة المشبهة إلخ، أقول هذا الكلام عن معاناة شخصية منذ زمن، فقد شغلني كثيرا، وقد بلغ بي الأمر أني حينما يشكل علي شيء من هذه المسائل صرت شبه موقن أني لن أجد حلا وإجابة إن رجعت إلى المظان.
وإذا أجلنا الطرف في كتابات المعاصرين في هذا الأمر وجدنا الحال شبيها بحال السلف، فالخلف كانوا كسلفهم، نأوا عن البحث في هذا الموضوع، فلا نجد إلا نزرا يسيرا حاول فتح الباب دون أن يتمه، صحيح أنه عمل شاق يحتاج إلى جهد كبير، إلا أن ثمرته سيكون لها أعظم النفع والأثر، وستوضح قيمة هذه اللغة الثرة الثرية التي شرفها الله عز وجل بأن تكون وعاء لكتابه الكريم، فعسى أن تتضافر الجهود ويتحقق المأمول والمقصود.
كان لا بد من تسليط الضوء بهذه المقدمة، علها تضيء جانبا مهما من لغتنا الكريمة ينبغي أن نعطيه حيزا من اهتمامنا ونوليه شيئا من رعايتنا.
لفتني قبل مدة من الزمن حديث لصديق لي يناقش لفظ "رِعاء" في قوله تعالى: "حتى يُصْدرَ الرِّعاء" في سورة القصص، ومع أن توجيهه كان فيه نوع من التخليط والالتباس إلا أنه حقا قدح في ذهني شيئا جعلني أبحثه وأتقصى أمره، وكان منطلق البحث السؤال الآتي: "لماذا أتى التعبير هنا بلفظ (الرِّعاء)؟"، ولكي أوضح الأمر أكثر أقول إن كلمة (الرِّعاء) هي جمع (الرَّاعي)، وقد كانت في الأصل الافتراضي (الرِّعاي) على وزن فِعال كقائم وقِيام وصائم وصِيام وجائع وجِياع، ولكن قلبت الياء المتطرفة قبل ألف المد إلى همزة فصارت (الرِّعاء)، وكما تعلم أن كلمة (الراعي) لها في اللغة صيغ جمع متعددة، فهي تجمع على: الرُّعاة والرِّعاء ورُعيان والرّاعين، جاء في اللسان: "والجمع رُعاة مثل قاض وقُضاة، ورِعاء مثل جائع وجياع، ورُعيان مثل شابٍّ وشُبّان"، فلماذا خُصَّت صيغة (الرِّعاء) في هذا السياق بالاستعمال من بين صيغ الجمع الأخرى؟ مع أنه في موضع آخر جرى استعمال صيغة جمع أخرى هي الراعون، في قوله تعالى: "والذين هم لأماناتهم وعدهم راعون"، قبل الإجابة عن السؤال لا بد من توضيح الفروق المعنوية بين الجموع الأربعة في اللغة، حتى نفهم كيف تراعى الدقة في اختيار الكلمات القرآنية، لتنسجم مع السياق وتؤدي وظيفتها أتم أداء.
الرُّعاة جمع كثرة على وزن فُعَلة، والأصل فيه رُعَيَة، فقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، والتاء فيها تدعى تاء النقل، أي أن الصفة نقلت إلى الاسم، فأصبحت صيغة الجمع تدل على أن الرعاة هم جنس معروف، يطلق على مجموعة عرف عنها الرعي واشتهر، فليس كل من رعى قيل عنهم رعاة، كما ليس كل من قضى قيل عنهم قضاة، وكذلك ليس كل من رمى قيل عنهم رماة، وهكذا فالرعاة والقضاة اسم لهذا الصنف المعين (معاني الأبنية، السامرائي).
أما رُعيان فهو على وزن فُعلان، والأصل في هذه الصيغة أن تكون للأسماء، كرغيف ورُغفان وحَمَل وحُملان وذَكَر وذُكران، وهذه الصيغة قريبة من جمع الرُّعاة في دلالة الاسمية لا الصفة والحدث، إلا أنها في الأصل صيغة للأسماء، لا تطَّرد في الصفات، فحين يجمع راعٍ على رعيان لا ينظر فيه معنى حدث الرعي ومزاولته كثيرا، بقدر ما ينظر إليه أنه مجرد اسم، فيعامل معاملة الأسماء كرغيف وحَمَل وذكر، "وقالوا فُعلان في الصفة كما قالوا في الصفة التي ضارعت الاسم وهي إليه أقرب من الصفة إلى الاسم، وذلك راع ورعيان وشاب وشبان" (الكتاب، سيبويه). وأما الراعون فهو جمع مذكر سالم، اسم فاعل من رعى، وكثيرا ما يؤتى به لينوب عن الفعل، ويقوم مقامه كما في الآية الكريمة: "والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون" بمعنى الفعل، أي يرعون أماناتهم وعهدهم، وعبر بالاسم بدل الفعل للدلالة على الثبوت، وقد يدل على القلة إن قصدت به الاسمية، ونأى عن الوصفية. وأما الرِّعاء فهو جمع كثرة على وزن فِعال، فهو جمع لكل من رعى، فلنا أن نقول لكل من قاموا بالرعي ولو مرة واحدة هم رِعاء، فهو جمع يشمل كل نوع من الرعي، وبالمناسبة وزن فِعال جمعا فاش في الأسماء والصفات، كجبل وجبال ورقبة ورقاب وطويل وطوال وعطشان وعطاش إلخ.
بعدما أخذنا نبذة عن معاني الجموع الأربعة لكلمة راعٍ، دعونا الآن نتطرق إلى سياق الآية الكريمة (23) من سورة القصص: "ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير"، عُبِّر عن الرعاء بداية بأمة من الناس، والأمة العدد الكثير، وعُبر عن اللتين تذودان بالمرأتين مع أنهما يرعيان ولكن بصفة طارئة لأن أباهما شيخ كبير لا يستطيع مزاولة الرعي، يبدو أن هذا المجتمع الذي تتحدث عنه الآية مجتمع يزاول الرعي عادة وليس حرفة، فليس هناك أناس معينون للرعي مشهورون به ومحترفون فيه، بل كل أفراده عموما تنطبق عليهم صفة الرعي حتى البنات منهم، فهو إذن مجتمع رعوي يمارس الرعي عادة وطبيعة، وتختلف مزاولته من شخص إلى آخر ومن بيت إلى آخر، وعُبِّر بالرعي هنا لحضوره في المشهد بدلالة السقي والإصدار والذود، ولكن السياق لم يكن يستدعي فعل الرعي كثيرا بقدر ما يركز على المرأتين وحالهما بدليل حذف متعلقات الرعي (السقي، الإصدار، الذود)، من هذا كله يتبين أن استعمال الرِّعاء هنا أنسب للسياق والمقام، بما تعطيه الصيغة من إفادة صفة الرعي العادي، الذي لا يتناسب مع جمع الرعاة، وإفادة عدم قصدية فعل الرعي بالذات بدلالة التعبير بالناس والمرأتين - بدل ما يُشتق من الرعي - وحذف متعلقاته، وهذا لا يتناسب مع الراعين الدال على الحدث، وكذلك احتماله جمعا للقلة غير المناسب لمدلول الأمة، وتبقى رُعيان غير صالحة من جهة أنها صيغة للأسماء، لا يركز فيها على صفة الرعي وهي مرادة في السياق بقدر معين.
أقف عند هذا الحد لضيق المقام، وأرجو أن يكون ما طرحته قد فتح بابا للباحثين والدارسين المهتمين للإدلاء بآرائهم وتحليلاتهم، ولَفَتَ الأنظار إلى هذا الموضوع المهم في لغتنا العربية الخالدة.