مدونة زاهر الهنائي
أكاديمي بجامعة السلطان قابوس

الاثنين، 14 مارس 2016

"رسائل إلى الوطن" جزء ثان من مذكرات أميرة عربية (النشرة الثقافية لوكالة الأنباء العمانية)



مسقط في 14 مارس /العمانية / صدر عن منشورات الجمل الجزء الثاني من مذكرات أميرة عربية حمل عنوان "رسائل إلى الوطن" للسيدة سالمة بنت السيد سعيد بن سلطان. نقل الكتاب من الألمانية إلى العربية زاهر الهنائي. وظل هذا الكتاب غائبا عن الترجمة إلى اللغة العربية رغم أن الجزء الأول من المذكرات لقي رواجا كبيرا في الشرق والغرب عندما نشرت طبعته الألمانية عام 1855 نظرا لما حوته تلك المذكرات من كشف الكثير من تفاصيل الحياة الشرقية التي كانت غائبة عن الأوروبيين.
    وكتاب "رسائل إلى الوطن" هو الكتاب الثاني للأميرة سالمة، وهو تكملة لمذكراتها، ويتضمن تفاصيل حياتها في ألمانيا، منذ لحظة انطلاق رحلتها إلى الشمال من عدن (يونيو 1867) عبورا بالبحر الأحمر، وتنتهي الرسائل عند انتقالها للعيش في برلين، بداية الثمانينيات من القرن 19 كما يذكر المترجم زاهر الهنائي.
وتتناول الرسائل حسب مقدمة المترجم تفاصيل حياة سالمة حيث كانت الرسائل سردا متدفقا بلا انقطاع، أظهرت فيه المعاناة الصعبة والواقع الأليم للأميرة من خلال ثلاثة مشاهد رئيسية. المشهد الأول ما قبل الفاجعة، والمشهد المركزي الفاجعة، والمشهد الأخير ما بعد الفاجعة، وقد خيم على جميع المشاهد بلا استثناء جو الحزن والألم ومرارة الغربة والحنين إلى الوطن والاغتراب الروحي.
وحول سبب تأخر صدور الرسائل يقول الهنائي "عندما وجد أولادها مخطوط الرسائل في تركتها، واطلعوا عليه أصابهم الذهول مما سجلته أمهم من مذكرات أليمة ومعاناة مريرة، فالرسائل تحكي تفاصيل ذلك الواقع الأليم الذي تعرضت له سالمة بعد فقد زوجها وتكشف الظروف الصعبة التي مرت بها. ولذلك حصل بينهم خلاف في مسألة نشرها، فقد أبدت ابنتاها تحفظا على ذلك، وكانت حجتهما أن نشر الرسائل سيظهر خصوصية الأم إلى العلن، ومن باب إنساني ينبغي عدم فعل ذلك، أو على الأقل ينبغي إجراء بعض التعديلات وحذف ما يلزم. يبدو أنه تم الاتفاق بين الإخوة بعد ذلك إلى أن تسلم مخطوطة الرسائل إلى المستشرق الهولندي بجامعة لايدن البروفيسور سنوك هُرْخرونيه. وفعلا قام ابنها سعيد بتسليمها إليه سنة 1929 مع ملاحظة كتابية نصها: "يُمنع نشر "رسائل إلى الوطن" دون إذن قبل 1 يناير 1940!". وهكذا بقي المخطوط بعيدا عن النشر حتى قام الباحث الهولندي بنشرها سنة 1993 باللغة الإنجليزية مع سائر كتاباتها الأخرى وهي المذكرات ونص قصير من عشر صفحات تقريبا تكملة لمذكراتها تحكي فيه تفاصيل رحلتها الثانية إلى زنجبار بعد موت أخيها برغش 1888، ونص قصير أيضا عن عادات وتقاليد سورية رصدت فيه الحالة الاجتماعية آنذاك. ثم قام بعدها السفير الألماني الأسبق في تنزانيا هاينز شنيبن بنشر الرسائل مستقلة سنة 1999 مع مقدمة وخاتمة طرق فيها قضية تحول سالمة من السيدة سالمة إلى إميلي رويته وأوضح أهمية الرسائل باعتبارها وثيقة لحياة سالمة وعصرها (1867-1884)، كما كشف عن المصادر التي استند إليها في عمله، وهي مادة جيدة للدارسين والمهتمين بسالمة وإرثها الكتابي.
 
   وقال زاهر الهنائي إن رسائل السيدة سالمة لم تكن موجهة إلا إلى صديقة افتراضية  من زنجبار، ولو كانت صديقة حقيقية لما خاطبتها بلغة ألمانية لا تفهمها. ولكن سالمة كانت تريد أن توصل رسائلها إلى أولادها بعد موتها، ويبدو أنها أخفت عنهم في حياتها كل تلك التفاصيل المؤلمة، وتركت لهم معرفة ذلك والاطلاع عليه بعد وفاتها.
ويقول الهنائي إن السيدة سالمة حضرت بشكل كبير في الأدب الأوروبي وخاصة عند الألمان الذين اهتموا كثيرا بها وتجسد في نشر مذكراتها ورسائلها وترجمتها، كما كان لها حضور في أعمال روائيين لهم سمعتهم في الوسط الأدبي من أمثال الروائية الألمانية نيكولا تسي فوسلر في عملها الروائي "نجوم على زنجبار، 2010"، ورواية "دي كاديتن، طلاب الكلية الحربية، 1957" للكاتب إرنست فون سالومون، ورواية " زنجبار بلوز، أو كيف اكتشفتُ ليفينغستون، 2008" للروائي هانس كريستوف بوخ، والرواية الإنجليزية "ريح التجارة، 1982" لماري إم كيه، وقد ترجمت إلى اللغة الألمانية بعنوان "جزيرة في العاصفة"، وهناك عمل روائي آخر للكاتب والأديب السويسري لوكاس هارتمان بعنوان "وداع زنجبار، 2013".    
وقال الهنائي إن هناك الكثير من الكتابات التاريخية والسياسية التي تتحدث عن الفترة التي عاشت فيها السيدة سالمة والتي تزامنت مع القيصر فيلهلم الأول والثاني والمستشار بسمارك بشكل عام، متاحة بين أيدي القراء وتحوي الكثير من الوثائق، ومن أهمها كتاب يوليوس فالدشميت بعنوان: "القيصر والمستشار والأميرة، مصير امرأة بين الشرق والغرب، 2006"، وكتاب ليونارد نيسين ديترس بعنوان: "امرأة ألمانية في الخارج ومناطق النفوذ، 1913" يتحدث فيه أيضا عن السيدة سالمة، ولا ننسى أيضا كتاب السفير الألماني هاينز شنيبن "زنجبار والألمان، علاقة خاصة (1844-1966)". أما ما يتعلق بتركة سالمة الأدبية فهي ملك جامعة لايدن بهولاندا التي هي من ضمن مقتنيات المستشرق الهولندي صديق سالمة البروفيسور سنوك هروخرونيه، وهي متاحة أيضا، وتحتوي على جميع أنشطتها الكتابية التي نشرها الباحث الهولندي E. van Donyel ، وتتضمن أيضا رسائل وأجوبة بين سالمة وصديقها المستشرق ورسائل أخرى لها أيضا، وكذلك رسائل لأبنائها مع بعض الصور الوثائقية. كما تحتفظ بعض المكتبات الألمانية بنسخ من الطبعات الأولى للمذكرات ومخطوطات رسائل، قمتُ بنشرها في الكتاب مع ترجمة لها.
وإضاف الهنائي إن كتاب "مذكرات أميرة عربية" لم يحظ حتى الآن بترجمة تستحقها. فرغم الترجمتين اللتين تم نشرهما إلا أنهما لم تنظرا إلى المذكرات على أنها وثيقة تاريخية، ينبغي تقديمها للقارئ كما هي في الأصل دون زيادة عليه أو نقصان أو تحريف، فالقيسي الذي ترجم المذكرات لأول مرة عن اللغة الإنجليزية كان يتصرف في النص ويحاول تلطيف العبارات قليلا خوفا من أن يصدم القارئ، وقد بينت المترجمة سالمة صالح شيئا من ذلك في مقدمتها، ولكنها هي أيضا وقعت في الأمر نفسه وربما كانت تخشى على القارئ من الصدمة معتبرا أن ذلك ليس مبررا لتلطيف العبارة أو محاولة تخفيف وقعها عليه دون الإشارة في أقل تقدير إلى هذا التغيير في مضمون النص أو التنبيه على ذلك في مقدمة الكتاب.
/العمانية /ط.م

الأحد، 13 مارس 2016

مختارات من رسائل إلى الوطن،، للكاتبة رجاء الصارمي – نشر في ملحق شرفات 2/2016

 (طلبت مني مرارا أيتها الصديقة العزيزة أن أرويَ لك تفاصيل حياتي في الشمال وإذا كان ما يرضيك لم يتحقق حتى الآن فذلك بسبب خوفي من إعادة الذكريات بتفاصيلها في نفسي مرة أخرى).

هكذا استأنفت السيدة سالمة مذكراتها في رسائلها إلى الوطن، تلك الرسائل التي سجلت دهشة وقعت فيها امرأة شرقية، كان جل علاقتها بالغرب حب جمعها بتاجر ألماني في وطنها، وقدرها الذي حرك مركبها إلى المجهول، لتجد نفسها وحيدة من كل شيء، مجبرة على تحريك ذلك المركب بمجدافي ألم وخوف (هل كان الوضع مختلفا معي عندما ألقي جسدي أول الأمر في هذا الوسط؟ احتجت إلى سنين لأفيق من هول صدمة ما كان يحيط بي وما كنت أسمعه وأراه بمرور الوقت).
في حالة السيدة سالمة لم يعد الاندماج في المجتمع الغربي وعاداته أمرا اختياريا، ورحلتها من البحر الأحمر إلى بحر الشمال ستكون نهاية لبداية جديدة، سيُخدش حياؤها كثيرا وستتقزز من الأكل ولكنها ستلوذ بالصمت، فما عاد الكلام يجدي. تقول واصفة الرحلة على متن السفينة: (منذ عدة ليال ينام الركاب في الدرجة الأولى، الرجال والنساء كلهم جميعا، في فرشهم في القاعة، إن هذا النوع الجديد من الحرية لم يكن يروق لي كثيرا ولكن يُفعل هذا من باب التمدن ..أما الشيء الأجمل فقد كان المنظر في الصباح التالي عند الاستيقاظ؛ إذ الرجال جميعهم بقمصان النوم والسراويل البيضاء الرقيقة، ولا شيء آخر، والنساء جميعهن بقمصان النوم الإنجليزية الطويلة وتنورة تحتية رقيقة بيضاء، وجميعهن من دون جوارب طبعا).
مرسيليا هي أول مدينة أوروبية تطأها قدما السيدة سالمة كما عبرت عن ذلك، ولأن جسدها الشرقي لم يعتد إلا على الشمس الجميلة فغيابها كان كفيلا بأن يجعلها تتجمد من البرد (وعلى الرغم من أن وصولنا كان في شهر يونيو إلا أنني تجمدت من البرد، حتى أن السيدة اللطيفة والطيبة كثيرا c لفّتني بمعطفها؛ إذ لم أكن أملك أي شيء يدفئني…)
الآن سوف تتجه السيدة سالمة إلى هامبورج حيث ستعيش ثلاث سنوات وأكثر بقليل بجانب زوجها حياة مستقرة وستنجب أطفالها الثلاثة، ولكن الطريق إليها هو طريق إلى المجهول، وليس أصعب من المجهول سوى المسير إليه، تقول واصفة تلك اللحظات: (عندما غادرنا الفندق متجهين إلى محطة القطار ساورني قلق غريب رغبت بسببه في الصراخ عاليا؛ إذ بدا لي وكأني لن أرجع بعد الآن إلى الوطن أبدا، وأن كل الجسور تنهار من ورائي، وتحول صراخ روحي إليكم إلى آلاف الأصوات من جزيرتي الحبيبة التي تنادي جميعها بصوت واحد: «لا تذهبي أبعد من ذلك، عودي» دخلت مع نفسي في صراع رهيب، وبلا شعور ركبت القطار الذي يسوقني حثيثا إلى أرض مجهولة وإلى أناس غرباء عني تماما كما لو أني في عجلة كبيرة للوصول إلى مكاني المستقبلي في أسرع وقت ممكن، وهكذا اتجهنا إلى الشمال)
عاشت السيدة سالمة منذ ولادتها في بلاد ما عرفت غير الإسلام دينا، وظلت عصفورا يحلق بجناحين قويين، إلا أن كلمة (نعم) أثقلت جناحيه فما عاد يعرف بأي سماء يحلق على اتساعها. (أقول لك بكل صراحة، إياك أن تغيري دينك دون قناعة حقيقية، «قناعة»؟ نعم، بمن أعتقد؟ وكيف؟ لم يكترث أحد بعد ذلك لإيماني الحقيقي، كان يكفي القس على ما يبدو، بالدرجة الأولى أن يسمع كلمة «نعم» تأكيدا على ما قاله لي بلغة لم أفهمها إطلاقا عند التعميد ثم عند الزواج الذي تلاه، ولا شيء أكثر من ذلك. وبهذا اعتنقت المسيحية والباقي وجب علي أن أكمله بنفسي…)
وظلت السيدة سالمة تبحث عن سلام لروحها التي ما عادت تدري أي طريق تسلك (قررت من الأفضل لي أن أظل مخلصة لديني القديم في البداية، على الأقل، حتى أشعر بسلام داخلي، فلا شك أنه من الأفضل لي ألف مرة أن أكون مسلمة بدلا من كوني غير مسيحية من القلب ولا مسلمة). تقول واصفة لحظة دخولها الكنيسة للصلاة لأول مرة: (فطلبت من زوجي أن يصحبني إلى الكنيسة. وفي يوم من أيام الأحد ذهبنا إلى هناك وعندما كنت أمام الباب أنوي الدخول خالجني شعور كأنني أوشك على ارتكاب خطأ ما، ولكن الآن لا أستطيع فعل أي شيء سوى الدخول حتى لا أحرج زوجي وعندما جلست على مقعد بين أناس آخرين أصابني ضيق صدر لا يوصف …)
ما أكثر تشبثنا بالأحلام، فهي مخارجنا لكل شيء، ففرحا نقول حلما وتحقق، وحزنا نتمنى أن يكون حلما وينتهي، وبينهما نعلق في أحلام عدة. (قضيت الفترة الأولى في أوروبا وكأني في حلم، وتمنيت أن يكون لي بدل عينين وأذنين، عشر منهما؛ حتى أتمكن من استيعاب كل ما هو جديد وعجيب…ومع أنني لست ضعيفة بطبيعتي إلا أنني كان يتملكني الخوف قليلا. فقد بدا لي ذلك مخيفا، كل شيء، كل شيء، مختلف عما عندنا، المنازل والشوارع والملابس والأكل، ونعم حتى الهواء والناس، وتوجب علي تقبل واستيعاب الكثير بلا حصر ودفعة واحدة.)
لم تنقطع صلة السيدة سالمة في ألمانيا عن الوطن فحسب، وإنما ما عاد لها أي اتصال بكل من حولها في المجتمع الألماني كذلك، إلا مع زوجها الذي يتحدث السواحلية والخادمة الإنجليزية التي كانت تتحدث معها بالهندوستانية إلى أن تعلمت اللغة الألمانية. (وكان لا يمكنني الحديث مطلقا يوميا، عدا الأحد، إذ أصبح من الساعة التاسعة والنصف صباحا حتى الرابعة عصرا، بشكل اعتيادي، خرساء؛ لأن زوجي يكون في هذا الوقت في عمله… أصبحت الحياة على هذا النحو لا تطاق، مثلما ذكرت، لا تطاق أبدا وعزمت على ألا يهدأ لي بال حتى أتعلم لغة هذه البلاد…كما عزمت بكل ما أوتيت من طاقة على محاولة تعلم كل شيء سريعا، تقاليد وعادات البلد الذي أعيش فيه الآن، حتى لا أترك انطباعا فيه شيء من شفقة الجميع على تنشئتنا المتواضعة حسب كثير من الآراء هنا.)
إن نمط الحياة في المجتمع الألماني كان نمطا صعب الاستيعاب على تلك الفتاة الشرقية التي عاشت بين أحضان الطبيعة ورضعت منها سنين طوال، والآن قد حان الأوان ليكون كل شيء من مقاس الحضارة الأوروبية (…فلو قدر لمسلمة أخرى من القسطنطينية أو القاهرة تحت الظروف نفسها أن تعيش في أوروبا لما احتاجت كثيرا أن تكابد ذلك التباين الذي أجبرتُ على معايشته آنذاك، فقد كنت ألبس حتى وقت قريب زي أسلافي القديم منذ آلاف السنين، وكنت أستخدم أصابعي الخمس كسكين وشوكة طبيعيتين)، وفي عادات كان يجب عليها أن تعتاد عليها تقول: (كنت أستحم في حوض الاستحمام بنفور كبير في البداية، ولكن وجب عليّ التعود عليه كغيره من الأشياء الكثيرة بمرور الوقت؛ إذ وجدت من القذارة أن أغتسل في ماء غير جارِ مثلما تعودنا على ذلك في بيتنا) وتقول فيما يتعلق بالأكل: (رأيت أن الأكل هنا يطبخ سيئا للغاية، ولم أستطع بداية التعود على الطعام إلا بصعوبة فائقة. وقبل كل شيء كانت فكرة أكل لحم الخنزير مريعة لي، واستغرق الأمر طويلا…كنت عندما لا أرغب في أكل الكثير من التوافه المحلية -بعد تذوقها- أذهب بكل بساطة إلى المطبخ وأطبخ لنفسي الكاري والبيلاو) وعن الهواء قالت: (ولأنني أصبحت أعيش سنوات ليلا ونهارا على النوافذ المفتوحة، كنت أتحمل في البداية باستياء الهواء المستهلك والضار لجهازي التنفسي، والنتيجة أنني كنت أعاني من الصداع حالما أكون في غرفة ليس بها ما يكفي من الهواء… تخيلي فقط أنني أصبحت بسبب حبي للهواء الطلق دون علم أضحوكة الجيران، خاصة أنني كنت أفتح النوافذ طويلا أيضا في أثناء الشتاء، وكان يشاع أنني كنت أدفئ الشوارع أيضا!).
لقد ظل الحنين إلى الوطن جرحا لم يبرأ مع الزمن، ولم يخفت في ظل الأوجاع التي تكالبت على السيدة سالمة، وفي وحدتها نفثت روحا في جمادات لتتقاسم وإياها الألم، علها تجد بذلك تسلية لقلبها الحزين. (ولقتل ساعات الوحدة قليلا، فقد كنت عاجزة عن الكلام فعلا، كان لمجوهراتي وقطع ملابسي أن تعاني كثيرا، إذ كنت أتبادل معها أفكاري بصمت، دون حاجة إلى الكلام. أوليست هي الأشياء الوحيدة التي كانت تذكرني بكم وبوطني الحبيب؟ ربما ترين هذا الفعل طفوليا جدا، ومع ذلك أعترف لك بصراحة، أنني مع هذا الفعل، الذي كان يحدث فقط والأبواب مغلقة، وليس نادرا أقوم بتقبيل ومعانقة هذه الأشياء الجامدة. وكثيرا ما يدخل علي زوجي والغرفة ممتلئة بالأغراض المبعثرة فيقوم بمساعدتي في توضيبها).
إن الصورة النمطية المرسومة عن المرأة العربية والتي ما زالت باقية في أذهان البعض في الغرب الأوروبي عانت منها السيدة كثيرا (… لأنه على أي حال كانت تذكر القصص الأكثر سخفا عن المرأة العربية. ومنها، أنني سمينة مثل البرميل على الرغم من أنني كنت في ذلك الوقت نحيفة، ولدي لون ووجه زنجية، وقدماي صغيرتان جدا كأقدام امرأة صينية، ونظرا لذلك لا أستطيع المشي بالطبع …حتى بلغ الأمر في النهاية أن تقوم سيدة ساذجة جدا بتحسس شعري الزنجي المزعوم بحرية غريبة! مع أنها كانت المرة الثانية فقط التي أراها فيها!)
إن الانتقال من الشرق إلى الغرب يعني الكثير من المشاهد الجديدة، والأعراف اللامنطقية من وجهة نظر العقل الشرقي، الأمر الذي يجعلك عالقا في الدهشة أكثر الأحيان. الثلج والسيرك والبخار المنبعث من أفواه الناس والحيوانات من شدة البرد، والمسرح، وأعياد الميلاد، والكثير الكثير من المشاهد التي دهشت منها السيدة سالمة وأعقبت دهشتها برأيها عن ذلك. (كانت مشاهدة الثلج لأول مرة شيئا غريبا لي، ولا أزال أذكر حتى الآن تلك اللحظة التي كنت أرى فيها ندف الثلج الأولى وهي تتساقط من السماء بتموج، …بدا لي غريبا أن يحاول نثر القطن الأبيض الخالص هناك من فوق السماء على الأرض المتسخة…في البداية لم أستطع أن أفسر المشهد،… وارتقبت وصول زوجي بعجلة حتى يفسر لي هذا اللغز الشمالي)
(تخيلي فقط أن البشر والحيوانات كلهم جميعا يبدأون في الشتاء عند درجات برودة محددة بالتدخين، كيف كان مدهشا لي عندما رأيت الأحصنة والبخار يتصاعد منها في الشارع، وأيضا من فمي، يخرج دخان كثيف، وفي إحدى الطلعات في عربة مغلقة في الشتاء رأيت من زجاج النافذة كيف كان سائق العربة يلطم كلتا ذراعيه باستمرار، وخوفا من هذا المشهد العجيب الذي ظننت فيه أن المسكين أصبح مجنونا فجأة، قررت طبعا أن أترك العربة بأسرع ما يمكن، فضحك مني زوجي كثيرا، وفي الوقت نفسه حاول تهدئتي…)
(وكنا من حين إلى لآخر نذهب إلى سيرك رنتس، حيث كانت تعجبني الخيول الرائعة. …ولكن كان الظهور العجيب للنساء أقل إعجابا لي، إذ يظهرن بملابس قصيرة جدا، فما يسميه الناس هنا بقطع الملابس كان في الحقيقة بالكاد يحمل الاسم!)
(وبعد وقت قليل توجب علي أيضا أن أزور مسرحا. مسرح؟! سألت زوجي ما معنى المسرح؟ فأجابني بأن المسرح هو بيت كبير تعرض فيه مختلف التمثيليات، واليوم مثلا سيعرض شيء يذكرك بوطنك، مسرحية «المرأة الإفريقية» … كل شيء بدا لي جديدا وغريبا وبعيدا عن الواقع، ولم أجد تفهما للأمر برمته عندما سألني زوجي إن كانت المسرحية قد أعجبتني، لأجيبه فقط بـ«لا» فرددت عليه سائلة إن كان الممثلون أيضا مجانين، «لا، أبدا» رد علي ضاحكا…)
(دهشت عندما علمت أنه يحتفل بمولد المسيح ولكن دون التفكير مع ذلك، على الأقل في الصلاة. هل يمكنك أن تتصوري ذلك؟!)
ولا يخلو الأمر من استغراب زوجها من تصرفاتها وأسئلتها في بعض الأحيان من منطلق شرقيتها، تقول في معرض وصف عيد الميلاد: (في الصباح التالي لم يكن استغراب زوجي قليلا حين رآني نازلة من غرفة النوم على الدرج في الساعة العاشرة صباحا وأنا رافلة في حلة كاملة، فواجهني بهذا الكلام: «يا إلهي! بيبي ماذا هناك وإلى تودين الذهاب؟!»، دلفت نازلة بكل هدوء، أجر ذيل الفستان الطويل، ثم سألته إن لم يكن هو بنفسه من قال لي إن اليوم وغدا هما يوما عيد! ـ «نعم بيبي مثل هذا يفعل لديكم ولكن الأمر هنا مختلف»)
ومن محاسن الصدف على قلتلها في حياة سالمة بعد زواجها (ومن المصادفة أن وصلت إلينا قبل أربعة عشر يوما من موعد الحفلة سلحفاة ضخمة مباشرة من زنجبار، في سفينة شراعية، وكانت توضع في حوض الاستحمام مع أننا كنا نستعمله مرات عدة في الأسبوع… وكنت أجلس ساعات مع السلحفاة في الحمام وأفكاري في هذه اللحظة تبعد مئات الأميال عن المكان الذي رمانا القدر إليه أنا والسلحفاة… تملكت النظرات الحانية قلبي عندما كنت أرى السلحفاة جالسة في الماء هادئة لا تحرك ساكنا، وسرح بي الخيال أن تكون جليستي الخرساء قد قرأت أفكاري ومشاعري، ومنذ أن كانت بيننا أحسست بشعور أقل بالوحدة وكنت حزينة كثيرا عندما كان يجب أن تموت حتما، فلحمها سيقدم بالتأكيد حساء يسمى «حساء السلحفاة»… من يصف لي شعوري عندما سألني الخادم: «سيدتي! حساء البوليون أم حساء السلحفاة؟ كان ذلك قاسيا جدا، كيف أملك قلبا يجعلني أستمتع بلحم جليستي الخرساء؟!)
لم تدرِ السيدة سالمة وهي تودع سلحفاتها (جليستها الخرساء) كما وصفتها أن هناك وداعا ينتظرها سيقصيها إلى حيث الألم والحزن وفقدان النصير. تروي السيدة سالمة في رسائلها تفاصيل الفاجعة التي مرت بها. من بداية خروج زوجها من البيت مرورا بتفاصيل وجوده في المشفى وأيامه الأخيرة وهو يصارع الألم وصولا إلى الحضن الأخير للنعش الذي ضم جثة زوجها. وفي معرض ذلك تقول: (…حيث كنت في الفراش من أثر حمى ألمت بي، وكان يجب علي باستمرار أن أضع كمادات ثلج على رأسي حتى أقاوم الحرارة التي اعترتني نتيجة فطاط طفلتي… أراد زوجي زيارة أبيه المريض في شقته الصيفية، وللوصول إلى هناك كان يجب على المرء أن يستعمل عربة القطارات …وعندما استيقظت كان كل شيء مظلما، …حتى الساعة التاسعة ليلا كان كل شيء هادئا لأنني في هذا الوقت كنت أتوقع رجوع زوجي، بدأ يساورني بعض القلق …الساعة عند منتصف الليل وزوجي حتى الآن لم يعد…أخيرا طرق أحد جرس المنزل بلطف… مضى تقريبا خمس دقائق على ذلك وكانت بالنسبة لي طويلة جدا،…بدأ قلق لا يوصف يساورني مرة أخرى، وفجأة قفزت من سريري، وأنا بقميص النوم ومشيت إلى الرواق… وبدأت أنادي زوجي بصوت مرتفع من الدرابزين عله يسمعني… وإذا بي أجد نفسي ممسكة بالخادمة التي هبت إلي مسرعة وهي تصعد السلم … وكان يبدو عليها الاضطراب جدا… وإذا بأحدهم يقول لي مواسيا: «سيدتي، زوجك لا يزال حيا ولكنه مريض جدا»
قضت سالمة أتعس لحظات حياتها وهي غارقة في حزنها بجوار زوجها والذي كان من حولها يواسيها فيه وهو لا يزال يتنفس (تمكنت من رؤية ما لم أستطع رؤيته في الليلة الماضية، كان هناك جرح كبير يغطي طول جبهته، والأنف كان متضررا، وعند أسفل الرأس كان هناك جرح أكبر وأخطر من الذي على الجبهة، وكانت إحدى أذنيه مفقودة تمام، أما الجرح القاتل فكان في صدره الذي كان مع الذراع في حالة تهشم كامل وكانت ساقه أيضا قد تضررت ضررا جسيما! …)
وتختم فصل تحت اسم «بين الأمل واليأس» بقولها: (في تمام الساعة الخامسة والنصف مساء أراح الله زوجي المسكين من عذاباته). وبهذا انتهت حياة زوجها.
وفي ختام مشهد الوداع: (عندما انتهت مراسم التشيع ورأيت كيف تأهب الناس ليلقوا كل ما لدي في القبر، استولت علي أمنية واحدة، وهي أن أكون من تلك الطائفة التي تحكم على الزوجات بالحرق في كومة الحطب، حتى تلحق مباشرة بالزوج! … احتضنت النعش وجاهد الناس بمشقة لنزعي منه. أو ليس قد ضم هذا النعش كل ما أملكه؟!…)
كل شيء كان يثير فيها الوجع، فهي الآن وحيدة بلا وطن، بلا أهل، بلا سند، في مجتمع لا شفقة ولا رحمة فيه، ومع أطفال ثلاثة لا يتجاوز عمر أكبرهم عن سنتين ونصف. ظلت سالمة هائمة في حزنها، مُرعبة من كل شيء، وما أكثر ما جمعت أطفالها في الغرفة حولها وأغلقت عليهم الباب، كانت تجلس معهم لساعات طويلة، كاتمة كل ذلك الخوف بداخلها عن الآخرين. لكن للحب قوة خارقة تصنع المعجزات، وليس كحب الأم حب. لقد قاومت السيدة سالمة بكل قوتها، وتكبدت المشقة وتحملت الجوع والألم، وضحت بكل ما تملك. فكانت لأطفالها الأب والأم، والمعلم والطبيب، والقريب والبعيد.
لقد تنقلت سالمة في ربوع ألمانيا، من مدينة إلى أخرى، وقد يسأل السائل ما الدافع لكل هذا الترحال، إنه العوز المادي، نعم …ابنة سلطان عمان وزنجبار وزوجة التاجر الألماني وصل بها الحال إلى بيع مجوهراتها، وأن تعمل كمعلمة للغة العربية، وأن تخيط نعلها في جنح الليل والناس نيام. لقد حملت فصول ما بعد الفاجعة (موت زوجها) الكثير من المعاناة والألم، إذ كانت حياتها بعد ذلك كمركب في وجه عاصفة وأمواج متلاطمة تحيط به، والغرق يحدق به في كل لحظة. (كان التفكير في أنه يتوجب علي أن أواصل العيش في الظروف الأوروبية المعقدة جدا وتذكر فقدي الذي لا يعوض، يسلبني ما بقي لي من رمق في الحياة. وقبل كل شيء كان الشعور المؤرق بالوحشة يحكم قلبي دائما).
(مثلما يقال في هذه البلاد قلما تأتي مصيبة وحدها، كان هذا يصدق أيضا على حالتي) لقد تعرضت السيدة سالمة لخيانة خسرت من ورائها الكثير من أموال زوجها، مما جعلها تعيد النظر في استمرارها في هامبورج مدينة الغلاء، ولهذا انتقلت من هامبورج إلى دريسدن، وقبل مغادرتها لهامبورج حدث ما أدخل فرحا عابرا إلى قلبها المنكسر (…وفعلا بعد أربعة عشر يوما تقريبا من مصادفتهم في الشارع كنت أجلس وحيدة في غرفتي أتذكر الماضي بحزن، وأفكر في المستقبل بتردد؛ إذ دخلت علي الخادمة وأبلغتني أن عشرين من الرجال السود تقريبا يودون رؤيتي، عرفت دون مشقة من هم زواري…)، إذن فقد زارها بحارة من زنجبار. تفاصيل ذلك اللقاء وكيف عثر أولئك البحارة على مكانها والأيام التي قضوها في بيتها مع أطفالها، أفردت له السيدة سالمة فصلا بعنوان (زيارة من زنجبار) (وكان لقاؤنا مؤثرا جدا إلى حد أن الخادمتين الألمانيتين الجالستين على الباب أخذتا تبكيان بصوت عال دون أن تعرفا أي كلمة من كل الكلام الذي نتحادث به…)
في دريسدن حيث محطات جديدة تنتظر السيدة سالمة، والعوز المادي يزداد يوما بعد يوم (وحتى حصالة الأطفال كان يجب عليها أن تضحي بما فيها من نقود)، والآن لن يكون لدى السيدة سالمة سوى بيع مجوهراتها (ربما ما زلت تذكرين المشبك الذهبي الذي صنعته لي على نموذج سلاح البحرية الانجليزي من الذهب الخالص، كنت أريد بيع هذا المشبك، فذهبت لأغلى بائع مجوهرات معروف وطلبت منه أن يقدر ثمنه، راق لبائع المجوهرات أن ينظر إليّ بشفقة، فقد اعتبرني سفيهة ومعتوهة، ومن دون أن ينظر إلى المشبك عن قرب أرجعه إليّ وقال لي بلد زائد: «سيدتي نحن نتعامل مع الذهب والفضة» …) وتكمل السيدة سالمة قصتها مع التاجر وكيف أجبرته على وضع المشبك في محك الذهب لإثبات صدقها وأن المشبك من عيار ذهب 18، وقصص أخرى كثيرة تسجلها السيدة سالمة في مواجهة ما آلت إليها من العوز المادي.
كانت حياة السيدة سالمة رمادية، لا شيء يمكن أن يخفف عنها أوجاعها التي تزداد لحظة بعد لحظة، ولكن الحياة وإن قست فلا يخلو الأمر من هدايا ربانية بين الحين والآخر، وهو فعلا ما حدث مع السيدة سالمة بعد أن التقت بصديقة حنون والتي كانت عونا لها في وحشتها «البارونة سوندسو» (آه كم مرة سقت إليها قلبي المثقل بالأحزان وقد كنت مطمئنة إلى تفهمها ومشاركتها في كل حال، كم مرة آه، كم مرة عدت إلى البيت من عندها مواساة قوية، لأتمكن من مواصلة طريق حياتي المملوء مشقة). كذلك تعرفت السيدة سالمة في رحلة إلى سويسرا الساكسونية على بروفيسور كان له أثر جميل في حياتها، خصوصا من الناحية العلمية، إذ تعلمت على يديه أشياء كثيرة (اقترح علي البروفيسور اقتراحا أسعدني كثيرا، وقبلته في الحال، وهو أن أعطيه دروسا في اللغة العربية على أن يعطيني في المقابل ساعات في الدروس العلمية…)
ومرة أخرى تفكر السيدة سالمة في الانتقال إلى مكان أرخص لتكون مسارا لشتات وجهتها هذه المرة، هناك حيث ستبدأ مرحلة جديدة في حياتها وحياة أطفالها؛ إذ سيبدأ أولادها في ارتياد المدرسة (احتضنت أطفالي بحرارة عندما ذهبوا في صباح اليوم الأول إلى المدرسة ، وبدا لي الأمر وكأنهم أوشكو على القيام برحلة حول العالم)
ظلت سالمة عالقة في همومها، وكان تعليم أطفالها هو الأهم بالنسبة لها، فهي كثيرا ما تؤكد في رسائلها أن العلم هو أساس الحياة الكريمة في المجتمع الألماني ومن لم يحظَ به لأي عذر ما فلن يجد من المجتمع سوى الصد والمهانة. في تلك الأثناء كان الشتاء في ألمانيا، وهو وقت خصب لانتشار الأوبئة وقد أصيب سعيد بالدفتيريا الخبيثة ولولا رحمة الله لكان في عداد الموتى كما كان يتنبأ الطبيب (وبعد ساعة واحدة بعدما آيسني الطبيب من كل أمل، خرج فجأة تيار شديد من الدم من فم الطفل الذي كان متصلبا ومستلقيا على فراش، فجلب له هذا التقيؤ النجاة.)
وكذلك الحال مع الطفلتين فما إن حل الربيع حتى أصيبتا بالحمى القرمزية (مرت عليّ أيام من المعاناة والمكابدة لا يمكن أن تتخيليها، لن تصدقي إذا قلت لك إنه كان يجب علي أن أظل ستة أسابيع كاملة مع طفلتين مريضتين ومن دون أي مساعدة، فقد كان يجب علي أن أقوم بنفسي بكل أعمال البيت، لأنني لم أجد خادمة؛ فالكل كان خائفا من العدوى… وصارحتني خياطة عجوز كانت تأتي إلينا لبضع ساعات ومن وقت إلى آخر لتساعدني في أمور المطبخ وتوفير الأشياء، فقالت لي في أحد الأيام إنها تأسف جدا؛ فلن تتمكن في الأيام القادمة من المجيء لمساعدتي؛ وذلك لأنها تخشى أن تفقد زبائنها الآخرين!…)
وللمرة الثالثة تتجه السيدة وأطفالها إلى العاصمة الألمانية وهذه المرة من أجل العمل؛ إذ ستبدأ السيدة سالمة في تدريس العربية (للأسف لم أجد إقبالا كبيرا على دراسة العربية؛ لأنه على الأرجح في ذلك الوقت لم يكن الشرق في ألمانيا موضة. ولاحقا قدمت أيضا دروسا في اللغة السواحلية والتي كانت أسهل بكثير على الأوروبيين، وكان الغالب في موضوعات تدريسي لطلابي عن كل شيء ممكن تقريبا…) في فصل بعنوان (في عاصمة الإمبراطورية) تتطرق السيدة سالمة للموضوعات التي كانت تتحدث فيها مع طلابها، كما تذكر موقفا لزوجين يهوديين، وفي فصل سابق تفكر بصوت مسموع بشأن العمل وقرارها فيه.
كثيرة هي القرارات التي كان يجب عليها أن تتخذها عقلا لا عاطفة. فبعد صراع مرير قررت أن تبعث ابنها للمدرسة العسكرية ببنسبيرج (جلسنا في هذا المشوار القصير صامتين فكلانا كان يشعر بمعنى اللحظات القادمة، كان لدينا مسافة لا بأس بها لنمشيها على الأقدام، حتى نصل إلى هدفنا، وعند كل خطوة كان قلبي يتصدع من القلق الداخلي الذي لا يوصف، حتى أوشكت أن أرجع بالولد…) ظل قلب السيدة سالمة ينزف وجعا على بعد طفلها، ولم يفارقها شعور «أنها قدمته قربانا على مذبح الوفاء لزوجها»
تدهورت حالة السيدة سالمة كثيرا طوال تلك السنين، والتفاصيل كثيرة حول ذلك كما أوردتها في الرسائل. عاشت سالمة حياتها من أجل أطفالها، فضلت العزلة عن العالم الخارجي (وبهدوء وانعزال عشت تماما من أجل الأولاد فقط، ومن دونهم لم يكن لي أن أحس بالراحة، معا، فالناس كانوا يعلمون أنني لا أحب أن أخرج من دونهم. وكان خروجهم من البيت وحدهم يبعث في قلقا كبيرا؛ لأن عبور الشوارع المزدحمة كان يشكل لي دائما مصدر قلقل مستمر)
إن رسائل إلى الوطن هو وثيقة كتبت الحياة ليوميات امرأة شرقية عاشت في مجتمع غربي، حيث لا شيء يشبهها في ذاك المكان، الفقد عنوان كبير تحته الكثير من التفاصيل التي عانتها السيدة سالمة والتي سجلتها بقلب أم رؤوم. يبقى القول إن امرأة كالسيدة سالمة منعطف إنساني خارج عن القوانين الحياتية المعتادة والخلود حق لها.
* رسائل إلى الوطن كتاب جديد للسيدة سالمة بنت سعيد يترجم لأول مرة إلى اللغة العربية.. وترجمه من الألمانية زاهر الهنائي.
كاتبة عمانية مقيمة في ألمانيا.

رواية «وداع زنجبار Abschied von Sansibar» للكاتب السويسري لوكاس هارتمان، سالمة بنت سعيد في الأدب الأوروبي –

نشر في ملحق شرفات بجريدة عمان، 16.02.2016

زاهر الهنائي –

لم يقتصر حضور الأميرة العربية سالمة بنت سعيد في كتاباتها التي تمثّلت في مذكراتها ورسائلها، بل كانت هناك أعمال روائية تجسدت فيها الأميرة وأبناؤها رمزا لعلاقة الشرق والغرب، بدءا من الرواية الألمانية إرنست فون سالمون «الكاديتِن، طلاب المدرسة العسكرية» 1957، ومرورا برواية ماري إم كاي رياح التجارة سنة 1963، التي ترجمت إلى الألمانية سنة 1982 بعنوان جزيرة في العاصفة، ومرورا أيضا برواية هانس كريستوف بوخ «زنجبار بلوز» 2008، ورواية الكاتبة الألمانية نيكولا تسي فوسلر «نجوم على زنجبار» 2010، وآخرها رواية المؤلف السويسري لوكاس هارتمان «وداع زنجبار» 2013.
رواية «وداع زنجبار، Abschied von Sansibar» للوكاس هارتمان باللغة الألمانية (2013) تناقش إشكالية الاندماج في المجتمع الغربي متخذة من الشخصية التاريخية للأميرة سالمة وأولادها الثلاثة سعيد وأنطوني وروزالي أنموذجا لذلك، يحاول هارتمان توظيف الأحداث التاريخية التي مرت بها سالمة وأولادها في تعميق فكرة فشل الاندماج، مركزا على ابنها سعيد رويته الذي يمثل بطل الرواية، حيث تبدأ الرواية بمشهد سعيد الذي أصبح على مشارف نهاية العقد السابع من حياته، بالتحديد سنة 1946. ويبدأ في رحلة الذكريات وهو على كرسيه في غرفته يسترجع الماضي، ماضي أمه وعودتهم الأولى إلى زنجبار سنة 1885، يسترجع تلك الذكريات بتفاصيلها وهو في طريق الرحلة إلى زنجبار وتوقفهم في عدن، المكان الذي كانت أمه تحاول إخفاء ذكرياتها الأولى فيه قبل عشرين عاما عندما أقامت شهورا تنتظر زوجها. يسترجع فشل الرحلة عن تحقيق أهدافها في استرجاع أموال أمه في زنجبار. يستثمر لوكاس هارتمان رسالة سالمة (سنة 1883) إلى أخيها برغش التي تظهر فيها سالمة شغفها بالصلح مع أخيها برغش ومحاولة استرضائه، فيقتطع جزءا من الرسالة في بداية كل فصل من فصول الرواية السبعة عشر.
محاولا إظهار شوق سالمة إلى وطنها وألمها ومعاناتها في الغربة. يعزّز هارتمان ثيمة الفقد هذه وعدم القدرة على الاندماج للأسرة بذلك التشظي والتفرق الذي حصل للأسرة نتيجة الحرب العالمية الأولى والثانية، من خلال رسالة روزالي إلى أخيها سعيد بعد فترة طويلة من الافتراق وعدم رؤيتهم لبعض منذ آخر لقاء جمعهم في مقبرة العائلة بهامبورج حينما قرروا بعد أسبوعين من وفاة أمهم نقل رفاتها إلى مقبرة العائلة بهامبورج ليدفن بقرب زوجها، بعدها لم يحصل بينهم لقاء حتى وفاتهم. يحاول هارتمان أيضا تعميق هذا الإشكال في قضية زواج سعيد من امرأة يهودية، كانت من عائلة ثرية، وموقف أمه وأختيه الرافض. كما يظهر ذلك في الخلاف بين سعيد وزوج أخته الكبرى أنطوني وعدم التوافق بينهما. يستمر الكاتب في تعميق فكرة التشظي وإحساس الأبناء بعدم الانتماء في مشكلة أنطوني مع زوجها ذي الميول الاستعمارية وعدم التوافق بينهما مما يؤدي إلى انفصالهما لاحقا. وكذلك في عدم استقرار سعيد في عمله، منتقلا من ملحق عسكري في القنصلية الألمانية في بيروت ثم مفوض عام للسكك الحديدية في مصر ثم مدير للبنك الألماني الشرقي في القاهرة، وأخيرا أصبح حرّا وكرس نفسه في مجال العلاقات الدولية، ولا سيما العلاقة بين اليهود والعرب، واشتغل بأفكار تيودور هرتزل، الذي كان يطالب بوطن لليهود في فلسطين.. ويشعر بعد ذلك محبطا أنه لم يحقق ما كان يصبو إليه. يحاول أيضا المؤلف توسيع ثيمة الألم والمعاناة من خلال حادثة موت أنطوني في نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث توفيت في شقتها بباد أولدسلو بهامبورج نتيجة قصف الطيران الحربي البريطاني سنة 1945. يحاول هارتمان أن يملأ بعض الفراغات حول تفاصيل حياة أنطوني الغامضة في كثير من جوانبها بإحداث فكرة العثور على مخطوطة في شقتها التي توفيت فيها، تتحدث هذه المخطوطة عن حياتها ، التي لم تعد بعض الأوراق منها صالحة للقراءة وبعضها ساقط. وكذلك من خلال رسالة الابنة الصغرى روزالي إلى أخيها سعيد، التي لم تكن واثقة من وصول الرسالة إليه، فهي لا تعرف الآن عنوان إقامته ولا تعرف إن كان على قيد الحياة أيضا، يحاول المؤلف من خلالها استظهار شخصية روزالي التي تكاد تكون مغيبة في الوثائق ولا نعرف إلا القليل عن تفاصيل حياتها، تظهر هذه الرسالة شخصية روزالي وقربها من أمها حيث ظلت معها كثيرا في يافا وبيروت ورافقتها في سنوات حياتها الأخيرة عندما عادت سالمة من بيروت سنة 1914 قبيل الحرب العالمية الأولى لتستقر في ألمانيا إلى وفاتها في منزل ابنتها روزالي في مدينة فيينا سنة 1924. كما يحاول لوكاس هارتمان إظهار شخصية روزالي من خلال دورها في صياغة مذكرات أمها التي نشرتها في عام 1886، وحظيت بسببها بسمعة جيدة في الوسط الأوروبي، وترجمت إلى عدة لغات، ونالت إعجاب كثير من الكتاب والمهتمين، ومن بينهم الكاتب الإنجليزي الإيرلندي الشهير أوسكار وايلد (1854-1900). حيث تكشف روزالي هذا السر، الذي وعدت أمها بعدم الكشف عنه، لأخيها سعيد بعد مدة طويلة من ظهور المذكرات وانتشارها، في معرض دفاعها عن نفسها بأنه كان يُنظر إليها أنها قليلة الحيلة وليس لديها من الإمكانيات مثل أخيها سعيد الذي كان له عدة مؤلفات وكذلك أختها أنطوني التي نشرت كتابها عن المأكولات الاستوائية 1907، وكتبت مقالات أثناء وجودها في جزر المارشال في جاليوت نشرتها في مجلة المستعمرات الألمانية سنة 1902 بعنوان «Südsee Bilder».
تنتهي الرواية بمشهد موت سعيد على كرسيه في غرفته بفندق شفايتسرهوف بمدينة لوتسرن السويسرية سنة 1946 نتيجة أزمة قلبية، وحوار سعيد مع أمه الميتة التي حضرت قبل وفاته ليحاول عبثا سؤالها عن حقيقتها ومن تكون، حيث أخذ إحساسه بالضياع وعدم الانتماء يزيد مع مرور الأيام وحاول جاهدا أن يتعرف على حقيقة أمه ومن تكون وهو في الرمق الأخير من حياته، ولكن شبح أمه ولّى دون إجابة وأغمض هو عينيه للأبد..
تقدم رواية «وداع زنجبار» قراءة واعية لتفاصيل حياة أسرة سالمة وتحاول إكمال ثغرات فيها لم تسعفنا بها الوثائق، مستندة إلى أحداث تاريخية وشخصيات حقيقية واقعية استمدها المؤلف من قراءته واطلاعه على أعمال تاريخية وأدبية مهمة عن سالمة وأبنائها، وزيارات ميدانية قام بها للاطلاع عن قرب على تفاصيل حياة هذه الأسرة الشرقية الغربية. وكان للملحق الذي وضعه في نهاية روايته أهمية كبيرة للمهتمين بتفاصيل أسرة الأميرة سالمة. ويتضمن سردا تاريخيا مهما بالوقائع والشخصيات، وقائمة بالمراجع والمصادر التاريخية والأدبية التي تتعلق بشخصية الأميرة وأبنائها. قمت هنا بترجمة هذا السرد التاريخي نظرا لأهميته في الكشف عن جانب مهم من سيرة سالمة وأبنائها وأحفادها الذي ظلّ لسنوات طويلة مجهولا.
تاريخ وأحداث مهمة في حياة السيدة سالمة بنت سعيد وأبنائها:
-10.03.1839: ولادة رودولف هاينريك رويته (زوج سالمة) في هامبورج، وهو ابن الدكتور أدولف هرمان رويته من زوجته الأولى فرانتسيسكا روزالي (بالولادة. فويلش).
-30.08.1844: ولادة سالمة بنت سعيد، ابنة السيد سعيد بن سلطان، سلطان عمان وزنجبار، وأمها جارية شركسية اسمها جلفيدان، في بيت المتوني.
-1855: التحاق هاينريك رويته كمتدرب في شركة هانزينج (Hansing & Co) ثم أصبح وكيلا لها في عدن.
-1856: وفاة أبيها السلطان سعيد، وتولي أخيها غير الشقيق ماجد الحكم، قامت بإدارة مزارعها الكثيرة التي ورثتها، وكانت لا تزال صغيرة. وزُجّ بها في مؤامرة أخيها غير الشقيق برغش للإطاحة بماجد. ولكن المحاولة فشلت.
-1866: انتقال هاينريك إلى زنجبار، وتعرفه على الأميرة سالمة في ظروف غامضة، ووقوعه في حبها.
-24.08.1866: سالمة حامل في الشهر الرابع، تهرب إلى عدن على السفينة الحربية البريطانية «Highflyer»، وتنتظر زوجها في عدن أشهرا.
-07.12.1866: ولادة الابن الأول «هاينريك»، الذي توفي لاحقا في طريق الرحلة إلى هامبورج.
-30.05.1867: وصول هاينريك رويته إلى عدن. وفي اليوم نفسه تحوّلت سالمة إلى المسيحية واتّخذت اسم إميلي وتزوجت هاينريك رويته. وانطلقت رحلتهما إلى هامبورج.
-24.03.1868: ولادة الابنة الكبرى أنطوني توقا في هامبورج.
-13.04.1869: ولادة الابن رودولف سعيد.
-16.0401870: ولادة الابنة روزالي جاتسا.
-06.08.1870: وفاة هاينريك رويته نتيجة حادث مؤلم. وضعت السلطات في هامبورج إميلي تحت الوصاية.
-07.10.1870: وفاة السلطان ماجد في زنجبار، وتولي برغش الحكم، الذي رفض مطالبات سالمة في ما ورثته عن أبيها وأمها.
-1870/‏‏‏71: الحرب بين ألمانيا وفرنسا، وانتهائها باستسلام فرنسا، وتأسيس الإمبراطورية الألمانية في شبيجل زال فون فرزاليس في 19 من يناير 1871، وتتويج فلهلم الأول (الذي كان ملكا بروسيا) قيصرا على الإمبراطورية. وأصبح أوتو بسمارك مستشارا للإمبراطورية.
-1872: انتقال إميلي رويته مع أولاده الثلاثة إلى دريسدن.
-1875: تسافر إميلي إلى لندن، حيث كان برغش في زيارة رسمية. أُحبِطت غايتها في التصالح مع برغش من قبل البريطانيين. فرجعت محبطة إلى ألمانيا.
-1877: انتقال الأسرة إلى رودولشتات نتيجة التردي الكبير للوضع المالي. وتحاول إميلي كسب المال عن طريق تدريس العربية. وتحصل على دعم من قبل أهل الخير من النبلاء.
-1879: الانتقال إلى برلين.
-1880- تقريبا 1900: تنافس القوى الأوروبية في الحركة الاستعمارية في أفريقيا، وسعي الإمبراطورية الألمانية الحديثة إلى فرض مكان لها في الجنوب الغربي من أفريقيا وشرقها، لمنافسة بريطانيا العظمى في النفوذ الكبير وعوائد التجارة في زنجبار.
-1882: التحاق سعيد بمدرسة بنسبرج العسكرية في كولونيا.
-1885: إميلي تسافر برفقة أولادها الثلاثة إلى زنجبار، تحت حماية الأسطول الألماني. يحاول بسمارك استغلال إميلي، وخصوصا سعيد، كأداة ضغط، لدفع برغش إلى التوقيع على اتفاقية، تؤمّن لألمانيا السيادة على المناطق الساحلية لشرق أفريقيا. يرضخ السلطان برغش للمطالب الألمانية بسبب الزوارق البحرية. ولكنه يرفض استقبال إميلي والتصالح معها. اتضح لإميلي أنها استعملت كأداة في اللعبة السياسية. كما أن الخطة لجعل سعيد سلطانا كانت غير قابلة للتنفيذ.
-1886: نشر مذكرات أميرة عريبة عن دار فريدريك لوكهارت ببرلين وانتشارها في أوروبا. تم ترجمتها إلى عدة لغات.
-1888: سعت سالمة بعد وفاة برغش إلى المصالحة مع السلطان خليفة، فسافرت للمرة الثانية إلى زنجبار، وكانت برفقتها هذه المرة ابنتها روزالي فقط. ولكن جميع محاولاتها لكسب رضا السلطان باءت بالفشل. كما شعرت بالإهانة من خذلان الحكومة الألمانية لها، فقررت عدم الرجوع إلى ألمانيا واستقرت مع ابنتيها في الشرق الأوسط، بداية في يافا والقدس ثم في بيروت.
-1888-1890: وفاة القيصر فيلهلم الأول 1888، ووفاة خليفته أيضا فريدريك الثالث بعد 99 يوما متأثرا بالسرطان. يصبح ابنه فيلهلم الثاني قيصرا وهو ابن 29 عاما. كان فيلهلم الثاني من البداية ضد سياسات بسمارك التوسعية.
وفي مارس 1890 طلب القيصر من بسمارك الاستقالة من منصبه.
-01.07.1890: توقيع معاهدة هيجولاند-زنجبار بين الإمبراطورية الألمانية والمملكة المتحدة لبريطانيا وإيرلندا. اعترفت ألمانيا بالحماية البريطانية على زنجبار وبيمبا. وتنازلت بريطانيا العظمى مقابل ذلك عن جزيرة هجولاند لألمانيا. وبذلك أصبح واضحا لإميلي أن قضيتها لا يمكن أن تلقى دعما من الجانب الألماني.
-1893: سعيد يصبح ملازما في حامية تورجاو، ويأمل في مساعدة أمه في المطالبة بإرثها في زنجبار عن طريق وساطة بسمارك رغم كل المعوقات. ويرغب في الوقت نفسه أن يُنقَل إلى القنصلية الألمانية في بيروت. يتمكن من مقابلة المستشار السابق.
-1894: سعيد في بيروت كملحق عسكري تحت إمرة القنصل شرويدر. يعيش سنة مع أمه وأختيه.
1898- 1900: سعيد يودع الخدمة العسكرية بعد عشر سنين كملازم أول. ويصبح فجأة مفتشا عاما للسكك الحديدية في مصر.
-30.04.1898: زواج أنطوني في بيروت من المسؤول الاستعماري أويجن براندايس (1846-1930)، حاكم جزر المارشال. سافرا إلى جنوب المحيط الهادي.
-06.09.1900: ولادة ابنة أنطوني ماري مارجريتا، وتدعى جريتشن، في جالويت.
-16.09.1901: سعيد يتزوج ماريا تيريزا ماتياس (1872-1947) في برلين، وهي تنتمي إلى عائلة يهودية ثريّة. وعَمُّها لودفيك موند (1839-1909) هو مؤسس مصنع الصودا الرائج، وصنع له اسما كأحد الداعمين والراعين للفنّ.
-22.05.1902: ولادة ابن سعيد فرنر هاينريك ماتيسن في برلين.
-09.12.1902: زواج روزالي في برلين من ضابط المدفعية مارتن ترويمر من مدينة يينا (1862-1940)، الذي أصبح بعد ذلك لواء.
-06.10.1903: ولادة ابنة روزالي إميلي في برلين.
-10.08.1904: ولادة ابنة أنطوني جولي يوحنا في جالويت.
-18.09.1904: ولادة ابنة روزالي برتا في برلين.
-1905: أنطوني وزوجها يعودان من جنوب المحيط الهادي. يكون لها نشاط بارز في جمعية الاستعمار الألماني النسائية وتعد من مؤسسات مدرسة المرأة الاستعمارية في ريندسبورج.
تنشر سنة 1907 كتابا عن المأكولات الاستوائية، للترويج للغذاء الصحي للحياة في المستعمرات الألمانية.
-1906-1910: سعيد يحصل على موافقة من مجلس الشيوخ بهامبورج، لتسمية نفسه برودولف سعيد رويته، ويصبح مديرا للبنك الشرقي الألماني في القاهرة لأربع سنوات. وبعد استقالته عاش متنقلا بين لندن ومدينة لوتسيرن السويسرية يعمل في الأعمال الحرة والخيرية، وكرس نفسه أكثر في العلاقات الدولية، ويرغب في أن يكون وسيطا في الشرق الأوسط بين اليهود والعرب، واشتغل بأفكار تيودور هرتزل، الذي كان يطالب بوطن لليهود في فلسطين.
-08.05.1910: ولادة ابنة سعيد أولجا سالمة ماتيلد في لندن.
-ربيع 1914: إميلي تعود من بيروت وتقيم مع ابنتها روزالي في برومبرج، مقاطعة بوزين (حاليا بيدجوشتش في بولندا). ولم ترجع بعدها إلى الشرق الأوسط.
-27.06.1914: مقتل وريث العرش النمساوي فرانس فرديناد في سراييفو. كان الحادث سببا في اندلاع الحرب العالمية الأولى، التي راح ضحيتها أكثر من تسعة ملايين وانتهت بسقوط الإمبراطورية القيصرية الألمانية، كما خسرت ألمانيا مستعمراتها، واختفت من الخريطة الإمبراطورية العثمانية التي كانت بيروت جزءا منها.
-1914-1918: في أثناء الحرب أخذ رودولف سعيد رويته ينشر رسائل خطابية في جريدة زيورخ الجديدة، مطالبا بنهاية سلمية بين «الدول المتقدمة»، خصوصا بين ألمانيا وإنجلترا. جلب له ذلك في الأوساط القومية الألمانية شهرة كممثل للبلاد. ولكنه كألماني مقيم في لندن كان غير مرحب به، ولذلك أقام أثناء سنوات الحرب مع أسرته في مدينة لوتسيرن بسويسرا.
-1920: أنطوني تنفصل عن زوجها، الذي سيعيش بعد ذلك عشر سنوات في زكينجين إلى وفاته.
-29.02.1924: وفاة إميلي رويته في مدينة يينا في منزل ترويمر نتيجة إصابتها بالتهاب رئوي مزدوج. دفنت جرة رفاتها في مقبرة العائلة بأولسدورف في هامبورج.
-12.10.1929: زواج ابنة روزالي إميلي ترويمر في برلين من الحقوقي إريك شفينجه (1903-1994)، الذي كان له دور كبير لاحقا في صياغة القانون الجنائي العسكري فيما يعرف بالإمبراطورية الثالثة (الإمبراطورية الألمانية 1933-1945) وحكم بالإعدام على الهاربين من الخدمة العسكرية.
-30.01.1933: يصبح هتلر مستشارا للإمبراطورية الألمانية. ويبدأ النازيّون بملاحقة ممنهجة لغير الآريين وخصوصا اليهود.
-1934: يصبح رودولف سعيد رويته بريطاني الجنسية، وتسقط عنه الجنسية الألمانية.
-01.09.1939: اندلاع الحرب العالمية الثانية. قوات هتلر تهاجم بولندا، وتعلن فرنسا وبريطانيا الحرب على ألمانيا. تُحقق القوات الألمانية في الأشهر الأولى تقدما مذهلا يؤدي إلى استسلام فرنسا.
-1939-1945: في أثناء الحرب عاشت أسرة سعيد رويته بشكل رئيسي في لندن. حاول سعيدوزوجته تيريزا مساعدة المهاجرين الألمان.
-24.04.1945: وفاة أنطوني نتيجة قصف الطيران البريطاني لشقتها في باد أولديسلو بهامبورج.
-31.03.1946: وفاة سعيد رويته في فندق شفايتسرهوف بمدينة لوتسرن بسويسرا.

الاثنين، 26 أكتوبر 2015

مقالي عن السيدة سالمة بنت سعيد في مجلة نزوى في عددها 82

أميرة عربية بين عالمين
عاشت حياتها كأسطورة من أساطير ألف ليلة وليلة، لأجل تاجر ألماني من أصل هانزي ضحت سالمة بكل شيء وعرضت حياتها للخطر، واستبدلت بحياة القصر عالما ذاقت فيه مرارة الغربة وفقدان النصير.
مرة أخرى تستنشق عبق جزيرة التوابل وتسمع هدير المحيط الهندي، كان ذلك في عام 1888 عندما عادت مرة أخرى إلى زنجبار على متن سفينة في محاولة يائسة للرجوع إلى الوطن، يبدو وكأنها ستكون الزيارة الأخيرة للوطن، حيث لم يبق لديها من أثر لوطنها سوى ذلك الكيس الصغير من الرمل الذي ملأته من الساحل قبل أن تفارق وطنها إلى الأبد.
قبل ذلك بعقدين من الزمن اضطرت ابنة الاثنين والعشرين عاما إلى مغادرة زنجبار سرّا على متن سفينة حربية بريطانية. أميرة عربية، وابنة للسلطان، وحامل بصبي من التاجر الألماني هاينريش روته، وتسمت باسمه أيضا «إميلي روته»، كان ذلك عشقا ممنوعا لا يصدق، قد يجرها إلى الموت.
قررت الهرب والحياة مع هاينريش في هامبورج البعيدة، تحولت من الأميرة سالمة إلى المواطنة الهانزية إميلي روته. رافقتها السعادة بعد ذلك وقتا قصيرا، فبعد ثلاث سنين من وصولها فاجأها القدر بموت زوجها في حادث دهس. اضطرت من أجل أولادها الصغار أن تبقى في ألمانيا وتقاسي الغربة في هذا العالم الغريب كليا عنها، معبرة عن ذلك في مذكراتها: «غادرت وطني وأنا عربية خالصة ومسلمة ملتزمة. وماذا أنا اليوم؟ مسيحية غير ملتزمة وأكثر قليلا من نصف ألمانية».
التقت سالمة هاينريش في زنجبار عام 1864 عندما كان ممثلا لإحدى الشركات الألمانية في جزيرة زنجبار، وكان قد أتقن اللغة السواحلية. كانا يلتقيان كثيرا فأحب كل منهما الآخر. لم يصبح هذا الأمر سرّا بعد أن أصبحت سالمة حاملا عام 1866 في الشهر الرابع، فقررت الهرب خوفا على حياتها بعد أن طلب منها أخوها ماجد أن ترحل إلى الحج وقد دبر بذلك قتلها، هربت بمساعدة القنصل البريطاني على ظهر سفينة حربية بريطانية كانت متجهة إلى عدن.
وصلت سالمة إلى عدن قبل هاينريش في السابع من ديسمبر 1866، وهناك ولدت ابنها وتم تعميده، كما تم تعميدها أيضا باعتناقها المسيحية وتسمت بإميلي روته. لحق بها هاينريش بعد ذلك وتم عقد زواجهما في اليمن أيضا، بعدها بوقت قصير انطلقت رحلتهما إلى الشمال عن طريق البحر الأحمر، وكانت رحلة شاقة لم يتحمل مشقتها الرضيع فمات. أغفلت سالمة ذكر هذا الموضوع في مذكراتها ولم تتعرض له البتة، وقد يكون ذلك، حسب رأي أسرتها اليوم، من جراء بالغ حزنها العميق.
ولد لها في هامبورج ثلاثة أولاد: الابنة الكبرى أنطونيا توقا والابن رودولف سعيد والابنة الصغرى روزاليا غوزا. تعلمت سالمة الألمانية وعانت في تعلمها، وأصابها الذهول من نمط الحياة الجديدة في هامبورج، التي كان فيها المال أهم من كل شيء ولو كان على حساب العطف الإنساني، مثلما عبرت عن ذلك في مذكراتها. سكنت الأسرة الصغيرة عند وصولها إلى هامبورج في بيت مستأجر يطل على بحيرة الألستر. رحبت أسرة هاينريش بالعضوة الجديدة، وسعت سالمة إلى إظهار مقدرتها على إدارة العمل المنزلي كما يتوقع من أي امرأة في هامبورج.
في السادس من أغسطس من عام 1870 تلقت سالمة لطمة قاسية بوفاة زوجها، حينما تعرض لحادث دهس عندما قفز من العربة لينزلق فتدهسه عربة القطار، توفي بعد الحادث بأيام قليلة وعمره لم يتجاوز إحدى وثلاثين سنة، أصبحت سالمة فجأة وحيدة مع أولادها الثلاثة الصغار، دون اتصال حقيقي بالمجتمع ودون أصدقاء حقيقيين. ويجب عليها أن تعلم من الآن أن المرأة الأوروبية لا تملك إلا قليلا من الحقوق. سيبذر أهل زوجها ميراثه وسيتصرفون به. اضطرت إلى الانتقال من مدينة إلى أخرى لتكسب المال لأولادها الصغار، فعملت مدرسة للعربية ومترجمة. وحاولت مرارا دون فائدة أن تتصل بأسرتها في زنجبار، وهناك أيضا منعت من ميراثها الذي ورثته عن أبيها وأمها.
سافرت عام 1885 مع أولادها إلى زنجبار على متن بارجة ألمانية حربية، كان اللوبي الاقتصادي في ألمانيا يحاول استغلالها في محاولة للتوسع الاستعماري في شرق أفريقيا، أرسلها المستشار الألماني بسمارك لتحقيق رغباته ومصالحه الاستعمارية وكانت غطاء لتدخله العسكري في المنطقة في حال تعرضت سالمة لأي نوع من العنف بصفتها مواطنة ألمانية يجب الدفاع عنها، وربما كانت الإمبراطورية الألمانية تطمع في أن يكون ابنها سعيد سلطانا على زنجبار وبذلك يمهد لها التوسع الاستعماري في الشرق الأفريقي. ومع ذلك لم تتمكن سالمة من الاتصال بالأسرة الحاكمة ومنعت من ذلك، لم تهتم ألمانيا بالأميرة بعد أن وقعت معاهدة هيلغولاند-زنجبار، وتحددت بموجبها المصالح الاستعمارية لألمانيا وبريطانيا. وفي عام 1888 عاودت سالمة الكرة بالرجوع إلى وطنها إلا أنها وُوجِهت بالرفض مرة أخرى.
قبل ذلك بعامين كانت قد أصدرت مذكراتها التي حققت مفاجأة لها في أوروبا بسبب الإقبال الكبير عليها من جانب الأوروبيين، فقد سحرتهم الحياة الأسطورية للأميرة، ولكن مذكراتها أثارت حتى اليوم ردود أفعال رافضة لفكرة الرقيق، فآلاف الرقيق في زنجبار يكدحون في المزارع، تذكر سالمة ذلك في مذكراتها دون انتقاد، ولكنها تحدثت في الجانب الآخر عن استغلال التجار من هامبورج ولندن للعبيد في زنجبار وتسخيرهم في خدمة أعمالهم. وانتقدت بشكل لاذع الأوضاع الاجتماعية في هامبورج: «لم أر في مكان ما مشهدا للتباين الطبقي مثلما يوجد هنا في الشمال البارد». «ثراء فاحش وفقر مدقع». «أعتقد جازما أنه لا يوجد بالتأكيد اثنان من مائة من العبيد يقبلان بهذه الحرية، فالعبودية أرحم لهما».
عندما كبر أولادها غادرت سالمة ألمانيا وانتقلت إلى الشرق الأوسط. هناك كانت غريبة أيضا ولكن كانت وسط كثير من الغرباء وفي عالم شرقي مألوف. أقامت فترة طويلة مع ابنها سعيد الذي كان دبلوماسيا ألمانيّا في بيروت. وقررت أن تعود إلى ألمانيا عام 1920. فقد غلبها الشوق وحنت إلى أحفادها.
قضت سنواتها الأخيرة في مدينة يينا مع ابنتها الصغرى روزالي، وتوفيت هناك عام 1924 دون أن تتحقق أمنيتها بالرجوع إلى وطنها، قرر أولادها أن يحفظوا رمادها بجانب قبر زوجها بمقبرة هامبورج في أولسدورف مع كيس الرمال الصغير الذي جلبته من ساحل الجزيرة في آخر زيارة لها عام 1888 وظلت محتفظة به إلى حين وفاتها، وقد كتب على ضريحها عبارة الأديب الألماني تيودور فونتانه: «مخلص من أعماق قلبه من يحب وطنه مثلك». هكذا عاشت أميرة عمان وزنجبار مثلما صورها الصحفي الألماني أكسل تيدمان في مقاله المنشور بجريدة «هامبورجر أبند بلات» اليومية والذي يحمل عنوان العشق الممنوع لأميرة زنجبار، مستمدا معلوماته من الحفيد الثاني للأميرة سالمة «إريش شفينجه» والذي يعمل حاليا مديرا للمشاريع في شركة بي أم دبليو.
j h j
أسعى هنا من خلال تكثيف تتبعي للأدبيات الألمانية التي تعنى بصاحبة مذكرات أميرة عربية، إلى لفت أنظار المهتمين إلى بعض المناطق المعتمة التي غابت أو ربما غيبت عن القراء العرب، فكثير منا تشكلت لديه صورة عن صاحبة المذكرات من خلال الترجمة العربية بمختلف مترجميها بدءا من عبد المجيد القيسي 1978 نقلا عن اللغة الإنجليزية ومرورا بسالمة صالح 2002 نقلا عن الألمانية، والمقارن للترجمتين لا يجد إضافة تكاد تكون نوعية قدمتها ترجمة سالمة صالح إلا أنها ترجمة عن اللغة الألمانية التي هي لغة المذكرات الأصلية. هناك وثائق أخرى وجدها الألمان في تركة السيدة سالمة لم تتحدث عنها الأدبيات العربية التي ما زالت تتغنى بالمذكرات منذ زمن بعيد مكتفية بها رغم ما نشر من وثائق أخرى لا تقل أهمية عن المذكرات تعود للأميرة العربية، ومن المفارقات العجيبة أن مكتباتنا ولا سيما هنا في عمان لا تحتفظ بنسخ من كتاب المذكرات بالألمانية، وللعلم فقد تُرجمت إلى لغات أخرى منها الفرنسية فضلا عن الإنتاج الروائي حولها الذي لا يزال مستمرا وواضحا من خلال الأعمال التي خرجت للجمهور مؤخرا كالفيلم الوثائقي الألماني 2007 الذي وثق سيرتها مرورا برواية نجوم على زنجبار Sterne ueberSansibar 2010، وأخيرا في عام 2013 صدرت رواية للروائي السويسري لوكاس هارت مان بعنوان وداع زنجبار… سأحاول في هذا السياق الحديث عن هذه الجوانب مركزا على التركة الأدبية للأميرة، التي وجدها أولادها في تركتها بعد موتها وتتضمن مذكراتها في ألمانيا «رسائل إلى الوطن، ونصا قصيرا تكملةً لمذكراتها ونصا آخر قصيرا أيضا عن العادات والتقاليد السورية، سيكون الحديث هنا أكثر عن الجزء الثاني من مذكراتها «رسائل إلى الوطن»والذي تتحدث فيه عن حياتها في ألمانيا، لا يزال هذا الجزء من مذكراتها غير مترجم إلى العربية، وقد شرعت قبل مدة من الزمن في ترجمته بعد أن ظفرت بالكتاب، وأنا ماض في ترجمته وقد قطعت شوطا لا بأس به وآمل أن يخرج قريبا إلى النشر وسأقدم هنا شيئا من نصوص الكتاب مترجمة تعطي تصورا عاما عن هذا الكتاب المهم الذي هو تكملة لمذكراتها. كما سألقي الضوء قليلا على الأعمال الروائية التي اهتمت بشخصية السيدة سالمة ولا سيما الأعمال الروائية في ألمانيا.
سأعرج أولا على الأنشطة الكتابية للسيدة سالمة وما نشر عنها وكتب بشكل عام، وستكون هناك استطرادات حين يلزم الأمر للحديث أكثر عن بعض التفاصيل المتعلقة بالكتاب أو المنشور.
1- «مذكرات أميرة عربية،
MemoireneinerarabischenPrinzessin»،
الذي حظي بمتابعة واسعة من الغرب والشرق، وقد احتفي به في ألمانيا، ومما يدل على ذلك أن الكتاب صدر أول مرة عام 1886 في برلين عن دار H. Rosenberg (لاحقا عن دار Friedrich Luckhardt)، وأعيدت طباعته في العام نفسه 1886 أربع مرات، وقد ترجم بطبعات مختلفة بعد ذلك إلى عدة لغات حية منها العربية والإنجليزية والفرنسية والإسبانية، وتحتفظ المكتبات الألمانية بالطبعة الثالثة والرابعة من الكتاب، إذ يوجد في مكتبة الدولة ببرلين نسخ من الطبعات الأولى للمذكرات وتحديدا الطبعة الرابعة (1866) في مجلدين.
j h j
هذه المذكرات تمثل حياة السيدة سالمة في قصر أبيها بزنجبار وطفولتها. وقد ظن كثيرون أنه الكتاب الوحيد لها، ومما زاد هذا الظن ترجمة سالمة صالح للمذكرات من اللغة التي كتبت بها (2002، دار الجمل)؛ إذ لم تشر إلى كتابات السيدة سالمة الأخرى على الرغم من ظهور الكتاب الثاني «رسائل إلى الوطن، Briefenach der Heimat» عام 1999.
2-  حياة في قصر السلطان، مذكرات من القرن التاسع عشر
(LebenimSultapalast):
هذا الكتاب هو نفس المذكرات إلا أنه أعيد نشره عام 1989 من قبل AnnegretNippa عن دار Athen?um بفرانكفورت بعنوان «حياة في قصر السلطان»، مع بعض التعديلات على النص الأصلي كتغيير العنوان وكتابته بالطريقة الألمانية الحديثة وحذف طفيف لبعض المقاطع مع حذف مقدمة المؤلفة.
3-      التركة الأدبية للسيدة سالمة
(Emily RuetesilterarischerNachlass):
يظن كثير منا كما ذكرت أن التركة الأدبية للسيدة سالمة تنحصر في مذكراتها التي بين أيدينا، والحقيقة ليست كذلك، فللسيدة سالمة إرث أدبي بجانب المذكرات لم تنشره في حياتها، وجد في تركتها بعد موتها، يحتوي هذا الإرث الأدبي على ثلاثة نصوص هي: «رسائل إلى الوطن، Briefenach der Heimat»، ونصان آخران قصيران هما «تكملة لمذكراتي،NachtragzumeinemMemoiren»، و»عادات وتقاليد سورية، SyrischeSitten und Gebraeuche».
الكتاب الآخر للسيدة سالمة الذي نشر بهذا العنوان «رسائل إلى الوطن»، لا يقل أهمية عن المذكرات؛ فهو يتناول البعد الغائب من العالم الآخر لسالمة، حياتها في ألمانيا، ولهذا الكتاب قصة وتفاصيل. فـ «رسائل إلى الوطن» هو تكملة للمذكرات في الحقيقة، يصف حياة الأميرة بعد خروجها من زنجبار عام 1866 حتى انتقالها إلى برلين أواخر سبعينيات القرن 19 تقريبا، قام بإخراج هذا الكتاب لأول مرة باللغة الألمانية Heinz Schneppen، وهو سفير سابق لألمانيا في تنزانيا، وقد صدر عن دار Philo ببرلين 1999.
يرجح ناشر الكتاب هاينز شنيبن أن المذكرات والرسائل هما كتاب واحد يهدف إلى المقارنة بين الشرق والغرب كما يشير الى أن سالمة ربما قد تأثرت بالشاعر والأديب الألماني تيودور فونتانه (1898) ووجدت في شخصية الفتاة إفي بريست في رواية إفي بريست لتيودور فونتانه رفيقة معاناة فحاولت تسجيل ذلك في مذكراتها، يقول شنيبن: «في شارع بوتسدام 70أ سكنت إميلي قريبا من تيودور فوناته، ولكنها كانت بعيدة عن عالم زوجات المستشارين التجاريين والقادة العسكريين اللاتي كن في رواياته يسكنّ في حي تيرجاردن في برلين. ربما وجدت في إفي بريست رفيق معاناة؛ إذ تجرأت مثلها على كسر الأعراف والتقاليد. حينما أنهى فونتانه المجلد الرابع من روايته رحلات في براندنبورج كانت إميلي قد أكملت مذكرات أميرة عربية. وفي حين أنها وفت لبعض القراء بإعطائهم لمحة عن أسرار حريم الشرق كان هدفها نقل صورة للأوروبيين عن أفكار الناس في وطنها وعاداتهم. عندما كانت تكتب مذكراتها حول زنجبار كانت تفكر في ألمانيا، وحينما كانت تكتب رسائلها عن ألمانيا كان في فكرها زنجبار، كلا النصين ينزعان إلى المقارنة وينتميان إلى موضوع واحد». تتحدث السيدة سالمة في «رسائل إلى الوطن» عن تفاصيل من حياتها في عالمها الآخر، ذلك العالم الذي كانت تأمل منه الخلاص والحرية، وتبدأ فيه بذكر رحلتها إلى ألمانيا من عدن عبر البحر الأحمر إلى بحر الشمال وصولا إلى مدينة هامبورج بألمانيا، هذه التفاصيل كان يتوق إلى معرفتها كثير من المهتمين والمتابعين لشأن الأميرة العربية، وربما وصل بهم اليأس إلى حد لم يأملوا به كشف الحجب وسبر أغوار عالمها في الشمال فأقنعهم اليأس بعالمها في الجنوب من خلال مذكراتها.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الكتاب قد نشر مترجما إلى اللغة الإنجليزية أولا عام 1993، وقد قام بإخراجه الباحث الهولندي E. Van Donzel عن دار E.J.Brill بعنوان «أميرة عربية بين عالمين، المذكرات، رسائل إلى الوطن، تكملة للمذكرات، عادات وتقاليد سورية،  An Arabian Princess Between Two Worlds: Memoirs, Letters Home, Sequels to the Memoirs : Syrian Customs and Usages»، أشار إلى هذا الكتاب أيضا الدكتور خليل الشيخ في المقال الذي نشره في مجلة نزوى: «قراءة في مذكرات أميرة عربية»، ولكنه لم يلفت القارئ إلى إرث السيدة سالمة، واكتفى بقوله: «… وقد أعاد الباحث الهولندي E. Van Donzel نشر المذكرات مع دراسة مستفيضة له عن صاحبتها بعنوان…».
الكتاب في أصله جزء مما يعرف بالتركة الأدبية للسيدة سالمة Emily RuetesliterarischerNachlass، التي تضم النصوص الثلاثة: رسائل إلى الوطن (الذي تروي فيه حياتها منذ وصولها إلى ألمانيا حتى انتقالها إلى برلين في أواخر سبعينيات القرن 19)، ونصين آخرين قصيرين هما «تكملة لمذكراتي» (الذي تحكي فيه إخفاق رحلتيها إلى زنجبار)، و»عادات وتقاليد سورية»، وحسب ناشر الكتاب: تمت طباعة النص الأصلي للرسائل بالآلة الكاتبة منتصف العشرينيات من القرن 20، وتتضمن نسخة مكتبة الدولة ببرلين ملحوظة كتابية بخط ابنها سعيد روته، لندن، 7/9/1929: «لا يسمح بنشر هذه التركة جزئيا أو كليا قبل 1 يناير 1940، ولا يمكن إتاحتها للجمهور قبل هذا التاريخ.»
j h j
قام السفير هاينز بالاقتصار فيما نشره على النص الأول «رسائل إلى الوطن»، وشفعه بمقدمة وخاتمة إضافية أوضح فيهما سياق النشأة التاريخي للنص، وقدم أيضا رؤية جديدة تتمحور حول علاقة المذكرات بالرسائل وأنهما كتاب واحد يهدف إلى المقارنة بين الشرق والغرب، كما تعرض أيضا للغز تأخر إخراج الكتاب الذي لم يظهر حتى سنة 1993.
طبع الكتاب كما أشرت بلغته الأصلية أول مرة عام 1999 في برلين عن دار Philo ، وضع له ناشره السفير الألماني السابق في تنزانيا Heinz Schneppen مقدمة قصيرة أوضح فيها تباين وجهات نظر أولادها حول نشر المذكرات للعلن ووصفا عاما للكتاب، كما أضاف خاتمة، قسمها إلى عدة موضوعات:
– مِن السيدة سالمة إلى إميلي روته
– رسائل إميلي روته وثيقة لحياتها وزمنها (1867-1884)
– بين عالمين (1884-1924)
– المصادر والمراجع
– تعليقات
وهذه ترجمة للمقدمة وشيء من الخاتمة لتعريف القارئ بالكتاب عن قرب، وقبل ذلك هذا مختصر لمحتوى الكتاب.
يتألف كتاب الرسائل في محتواه من مجموعة رسائل جاءت على النحو الآتي:
رسائل إلى الوطن – من البحر الأحمر إلى بحر الشمال – بين الإسلام والمسيحية – عالم غريب جديد – منزل على نهر الألستر – عادات هامبورج – شتاء حزين – قيود المجتمع – أعياد الميلاد في ألمانيا – الأسرة ملاذًا – الحرب الألمانية الفرنسية – فاجعة – بين الأمل واليأس- ألم الفراق – انفصام المشاعر – الاضطراب النفسي والأزمات المالية – زيارة من زنجبار – تغير الحياة – وداع هامبورج – بداية صعبة في دريسدن – مساعدة ودّية – تركة الزوج – من دريسدن إلى رودولشتات – قلق الأم – مقاطعة ألمانية – في عاصمة الإمبراطورية الألمانية – حياة من أجل الأولاد.
وهذه ترجمة لمقدمة الناشر ومقدمة الرسائل: «مقدمة» ..
للكتب أيضا قصتها. فبعد موت إميلي روته سنة 1924 شغل أولادها مبكرا موضوع نشر مخطوط أمهم «رسائل إلى الوطن» الذي وجدوه في تركتها، كان موقف ابنها سعيد من النشر إيجابيا في حين أبدت ابنتاها بعض التحفظ على ذلك؛ فقد كتبت ابنتها الصغرى روزالي إلى أخيها سعيد في يونيو عام 1924: «معاناتها كانت صعبة – فلدى قراءتها يصاب المرء بالذهول».
عانت الأم كثيرا بعد حادثة موت زوجها، إذ تعقب روزالي في رسالتها على ذلك: «فمشكلات الحياة لم تتركها تعيش في راحة». جعلت روزالي أخاها يعيد التفكير فيما إذا كانت مذكرات الأم على درجة عالية من الحزن والخصوصية لا تسمح بإظهارها إلى العلن. ولكنها ذكرت أيضا أن إحدى صديقات أمها ذكرت لها أن أمها بنفسها عهدت إلى إحدى الكاتبات بالعمل على المخطوطة. ابنتها أنطوني لها اهتمامات أدبية، وأظهرت نيتها في المبادرة بالاعتماد على الرسائل إلى تأليف سيرة لأمها، لتقوم ببعض الإضافات اللازمة وحذف ما يلزم، فخاصتها من أقاربها هم أولى بعمل ذلك من الغريب الذي لا ينتظر منه فعل ما هو صواب، كما أن هذا الفعل سيمنح خاصتها وأقاربها شعورا أفضل.
هذا كان مخالفا لرأي أختها روزاليا التي عبرت عنه في رسالة بعثتها إلى أخيها في يناير عام 1928، يتمثل في أن الأولاد لن يكونوا حياديين وموضوعيين في كتابة سيرة لأمهم بسبب انحيازهم الطبيعي تجاهها، كما أن هذا المشروع لا يَعِدُ بمكاسب مادية على كل حال. والمهم هو الحصول على أكبر قدر من ذكريات الأم.
ولدت إميلي روته عام 1844 ابنة لسلطان زنجبار. وغادرت الجزيرة سرا عام 1866 للزواج برجل الأعمال الألماني هاينريش روته في عدن ليتجها بعدها إلى هامبورج، وبزواجها واعتناقها المسيحية قطعت علاقتها بوطنها ودينها. كتابها «رسائل إلى الوطن» يتحدث عن حياتها في ألمانيا من 1867 إلى منتصف الثمانينيات تقريبا. ورسائلها موجهة إلى صديقة لها في زنجبار لا يعرف إن كانت شخصية حقيقية، ولكن لا ينقص هذه الرسائل ذكر المرسل إليه فقط بل تفتقد أيضا إلى الشكل المعهود للرسائل، فلا شيء يوقف التدفق المستمر للسرد، إضافة إلى ذلك ساقت إميلي رسائلها بطريقة حوارها مع نفسها.
الرسائل هي نظيرة «مذكرات أميرة عربية»، التي تحدثت فيها عن ذكريات طفولتها السعيدة في زنجبار. وما زالت مذكراتها التي نشرت أول مرة عام 1886 تخرج إلى الآن بطبعات جديدة وبلغات مختلفة. أما «رسائل إلى الوطن» فهذه هي المرة الأولى التي تنشر فيها باللغة التي كتبت بها.
رسائل إلى الوطن (مقدمة المؤلفة)
طلبتِ مني مرارا أيتها الصديقة الحبيبة أن أذكر لك تفاصيل عن حياتي وتجربتي في الشمال (هامبورج). ولكن ذلك لم يحدث حتى الآن والسبب الحقيقي هو خوفي من إعادة الذكريات بتفاصيلها في نفسي مرة أخرى، كما أني لست متأكدة من تلبية رغبتك عموما بل رضاك على وجه الخصوص؛ لأن الحياة والعادات والتقاليد والتصورات للناس في الشمال هي مختلفة تمام الاختلاف عنا، الأمر الذي يجعلني أخشى أنك ستعتبرين بعض الأشياء مبالغا فيها أو حتى ربما ستبدو غير معقولة. هل كان هذا الأمر مختلفا معي في البداية عندما ألقي جسدي في هذا الوسط؟ احتجت سنين لأفيق من هول صدمة ما كان يحيط بي وما كنت أسمعه وأراه مع مرور الوقت، لأن اختراعات الناس هنا عموما مذهلة جدا، وهي على أي حال تظهر تفوقهم العقلي. ولكن حسب مفهومنا فيها بعض الشيء من الجدية المبالغ فيها، بحيث ليس من السهل لدينا استيعاب ذلك من منطلق تصوراتهم، مع الأجنبي في إزاء ذلك هم مهذبون، فالمخالف لهم قبل كل شيء يسر دائما بانتباههم ومشاركتهم، في مقابل ذلك يواجه الجديد على هذا المجتمع في كل مكان طغيان الواقعية والصراحة طغيانا كبيرا يدفعه بشكل قسري وبسبب نقص الاستيعاب إلى الانعزال والانطواء على الذات. إن التمدن المفرط قد جعل الناس على هذه الشاكلة، ولا يمكن تفسير هذا بخلاف ذلك. مع التحضر ظهرت القدرة على التخيل ولدى آخرين ظهر معه الغرور جنبا إلى جنب، كلا الأمرين بالتأكيد داء قبيح جدا ويفضل دائما الابتعاد عن مثل هؤلاء الناس قدر الإمكان، عموما يوجد هنا خط سماوي حيث يجب على الضعيف أن ينزل إلى الأرض عندما لا تكون لديه المقاومة الكافية للصدمات الأخلاقية إن جاز التعبير غير المعدودة والمنتمية إلى الحضارة. كم مرة راودني القليل من الأفكار المعزية مع مرور الوقت.
أصاحية أنت فعلا أم نائمة؟
ولكن لماذا نستبق الحقائق؟»
وهذه ترجمة من خاتمة الناشر المهمة التي يبين فيها مصادر ومراجع الوثائق الألمانية التي تعنى بالسيدة سالمة، علما أن الخاتمة تناولت مادة تحليلية جيدة موسعة (ما يقرب من 50 صفحة) استندت إلى وثائق تاريخية ومصادر مهمة كشفت جانبا كبيرا كان مغيبا من حياة سالمة في عالميها وتفاصيل دقيقة ملأت فجوات مهمة لم تكن معروفة:»
المصادر والمراجع
في 12/9/1929 سلم رودولف سعيد روته التركة الأدبية لإميلي روته إلى المستشرق الليدني (جامعة ليدن الهولندية) وصديق أمه «كريستيان سنوك هورجرونيه»، طالبا منه عدم السماح بنشر «رسائل إلى الوطن» دون موافقته قبل 1 يناير 1940.
أشكر مدير الأرشيف الاستشراقي «LegatumWarnerianum» بمكتبة جامعة ليدن الدكتور J.J. Witkam للسماح بنشر المخطوطة باللغة التي كتبت بها لأول مرة، ويجدر التنبيه أن النص لم يكتب بلغة المؤلفة الأم. فقد كتبت إميلي روته رسائلها بألمانية معبرة ومسترسلة ولكن من جهة أخرى لا تخلو من الأخطاء. اعتمدت في نشر هذه الطبعة على مخطوطة التركة الأدبية التي كتبت بآلة طابعة منتصف العشرينيات، وقد تمت الاستعانة بالمخطوطة الأصلية وتصحيح ما كان يلزم، وكان الهدف من ذلك هو إظهار نص صحيح موثوق فيه ومقروء في الوقت نفسه.
كان المصدر الأهم لسيرة إميلي روته وأعمالها هو كتاب «السيدة سالمة/ إميلي روته، أميرة عربية بين عالمين. المذكرات، رسائل الوطن، تكملة المذكرات، عادات وتقاليد سورية» الذي طبع مع مقدمة لـ E. vanDonzel، ليدن/ نيويورك/ كولن 1993.
كما أشكر الأرشيف الفيدرالي ببرلين، والأرشيف السياسي بوزارة الخاجية ببون/برلين، وأرشيف التراث الثقافي البروسي السري ببرلين، وأرشيف الدولة بهامبورج، ومكتبة الدولة ببرلين وأيضا الأرشيف الوطني لزنجبار الذي تتوافر مقتنياته مصورة في ملفات القنصلية الألمانية بالأرشيف السياسي في وزارة الخارجية. كما كان لأرشيف المدينة بدريسدن ورودولف شتات دور في معرفة التفاصيل المحلية.
اعتمدت أيضا على كتاب «ألمانيا- زنجبار- شرق أفريقيا»، برلين (شرق) 1959، لـ Fritz Ferdinand Müller، وكتاب «شرق أفريقيا في السياسة الألمانية الإنجليزية 1884- 1890»، هامبورج 1934، لـ GüntherJantzen للاطلاع على الخلفيات السياسية. ومما يجدر ذكره هنا أيضا الأعمال المرجعية لـ Reginald Coupland وJohn Gray عن تاريخ زنجبار، وكذلك مساهمة (John Gray) في مشروع «تنجانيقا المذكرات والوثائق، Tanganyika Notes and Records»»، دار السلام، 43، 1954، حول إميلي روته. أما ما يتعلق بأحوال زنجبار منتصف القرن 19 وحياتها السيدة سالمة ،إميلي روته بالتعميد، في زنجبار، فاستندت إلى كتاب «حياة في قصر السلطان، مذكرات أميرة عربية» لـ AnnegretNippa (فرانكفورت 1989)، الذي ظهر أول مرة عام 1886 في برلين. والطبعة المنشورة لـ «مذكرات أميرة عربية» باللغة الإنجليزية عام 1981 لـ G.S.P. Freeman- Grenville، لندن/ لاهاي، هي مفيدة لما تحويه من تعليقات ووثائق.
كما أخص بالشكر إدارة المحفوظات الاستشراقية «LegatumWarnerianum» بمكتبة جامعة ليدن على تسليم الصور».
وفي جانب آخر كان لشخصية السيدة سالمة حضور في العمل الروائي، إذ كانت موضع اهتمام عدد من الكتاب والأدباء الذين استوحوا شخصيتها وما سجلته في مذكراتها ليصوغوا أعمالهم في قالب روائي، وتمثل حضورها بشكل محوري أحيانا، وثانوي تارة أخرى.
فقد صدرت عام 1963 رواية باللغة الإنجليزية بعنوان « «Trade Wind، ريح التجارة» لـ Mary M. Kaye، وصفت محاولة الانقلاب في زنجبار. أدت فيها السيدة سالمة دورا جانبيا، ترجمت الرواية لأول مرة إلى اللغة الألمانية بعنوان «: «Inselim Sturm، جزيرة في العاصفة»، عام 1986 في 912 صفحة. تمثل أحداث الرواية في زنجبار في القرن 19 بانوراما غريبة من القراصنة والسلاطين، الأميرات والثوريين، المؤامرات، العنف والكوارث الطبيعية. إذ تزور الشابة الأمريكية أثينا هوليز عمّها الدبلوماسي في الجزيرة الأفريقية، وكان هدفها مقاومة الرق والعبودية، ولكن تاجر الرقيق روري فروست أحبط محاولتها.
كما صدر للروائية الألمانية Nicole C. Vossler رواية بعنوان «Sterne überSansibar ، نجوم على زنجبار»، 2010، وقد سلطتُ الضوء عليها في مقال نشر في جريدة الزمن العمانية، تاريخ 6 أغسطس 2014.
تبدأ الرواية بسرد أحداث الطفولة السعيدة لابنة السلطان على جزيرة التوابل، واهتمام أخيها غير الشقيق ماجد بتعليمها الفروسية والرماية، وتعلمها القراءة والكتابة ولغات أجنبية سرا. ثم مقابلتها لرجل الأعمال الثري هاينريش، وتعرفهما على بعضهما، فصارت العلاقة أكثر حميمية وانتهت بحمل وارتقاب لمولود. لا يتصور أن يكون لأميرة مسلمة ابن غير شرعي. الزواج بغير مسلم كذلك غير وارد، لم يكن المخرج من ذلك سوى الهرب، ويجب عليها الآن أن تتخلى عن حياتها واسمها وثروتها. يأمل الزوجان الشابان أن يكونا سعيدين في مدينة هامبورج. ولكن ماذا ينتظر سالمة في البلد الأجنبي البارد الذي يختلف عن وطنها كثيرا؟!
كما صدر حديثا 2013 للكاتب السويسري لوكاس هارتمان رواية «Abschied von Sansibar، وداع زنجبار»، تدور أحداث الرواية حول أميرة لزنجبار تهرب مع رجل أعمال من مدينة هامبورج بألمانيا. وبهذا العشق الممنوع تبدأ أسطورة العائلة الشرقية الغربية بين أوروبا والعالم العربي نهاية القرن التاسع عشر. الرواية تاريخية وتستند لأحداث حقيقية للسيدة سالمة.
بعد كل هذا لا يزال عالم الأميرة بحاجة إلى سبر لأغواره العميقة، فالمصادر والوثائق التي يحتفظ بها الأرشيف الألماني وجامعة ليدن بهولندا تنتظر من يخرجها ويعمل على تحقيقها ودراستها، فضلا عن ترجمتها وترجمة الروايات والأعمال التي قامت عليها، فالطريق بكر ولا يزال في بدايته.
هوامش:
1- http://www.abendblatt.de/kultur-live/article106756511/Die-verbotene-Liebe-der-Sansibar-Prinzessin.html
2- (http://digital.staatsbibliothek-berlin.de/dms/werkansicht/?PPN=PPN655942750&PHYSID=PHYS_0005)،
3- http://staatsbibliothek-berlin.de/recherche/fachgebiete/germanistik/emily-ruete/nacherzaehlungen

حوار في ملحق شرفات بجريدة عمان عن صدور ترجمة رسائل إلى الوطن 20.10.2015

قريبا السيدة سالمة بنت سعيد في إصدار جديد –
حاوره ـ عاصم الشيدي –
شغلت مذكرات السيدة سالمة بنت سعيد والتي سيكون اسمها لاحقا «اميلي رويته» النقاد كثيرا لأسباب متعددة بينها الفترة الملتبسة التي عاشت فيها والتي كانت قوى الاستعمار في العالم تحاول أن تجد لها موطئ قدم في زنجبار التي كانت جميعها إلى وقت قريب تحت سيادة والدها السيد سعيد بن سلطان. لكن الغرب اهتم أيضا بالمذكرات نظرا لقدرة الكاتبة على توصيف الحياة في الشرق الأسطوري بالنسبة للآخر وكيف تكون حياة القصور وحياة البذخ وحياة المودة والوئام بين الجميع في مجتمع تعود على الماديات. ومؤخرا نشر الباحث زاهر الهنائي المقيم للدراسة في ألمانيا مقالا في مجلة نزوى أوضح فيه أن «مذكرات أميرة عربية» ليس هو كل الإرث الأدبي للسيدة سالمة وإنما هناك كتاب آخر يمكن أن يكون الجزء الثاني من المذكرات لم يلتفت له أحد رغم الأهمية الكبيرة التي تتضمنها الرسائل فيه والتي تتحدث عن مرحلة الحياة في ألمانيا سيحمل الآن عنوان «رسائل إلى الوطن». ونشر الكتاب في ألمانيا مطلع عقد التسعينات من القرن الماضي إلا أنه لم يترجم إلى اللغة العربية.. كان ذلك المقال فتحا مهما لدى المهتمين بشأن تجربة سالمة الحياتية أو الكتابية.
ولما كان الكتاب على وشك الصدور ضمن منشورات الجمل فإن ملحق شرفات توقف عند المترجم لتبيان التفاصيل المخفية في حياة السيدة سالمة ونتاجها الأدبي.. ومعظم المعلومات الواردة في هذا الحوار تنشر وتقال لأول مرة.
•كتاب رسائل إلى الوطن، بأي مستوى لغة مكتوب وهل هو بأسلوب كتاب المذكرات نفسه؟
كتاب رسائل إلى الوطن «Briefe nach der Heimat» هو الكتاب الثاني للأميرة سالمة بنت السيد سعيد بن سلطان، وهو تكملة لمذكراتها، آثرتُ تسميته في ترجمتي بالجزء الثاني للمذكرات، ويتضمن تفاصيل حياتها في ألمانيا، منذ لحظة انطلاق رحلتها إلى الشمال من عدن (يونيو 1867) عبورا بالبحر الأحمر، وتنتهي الرسائل عند انتقالها للعيش في برلين، أي حتى بداية الثمانينيات من القرن 19. لا بد من الإشارة هنا إلى أننا لا نمتلك أصل المذكرات الذي كتبته سالمة بيدها، حتى نتمكن من الحكم على المستوى اللغوي لها بدقة، فالمذكرات نُشرت سنة 1886 ببرلين، وطبعت أربع مرات في السنة نفسها التي صدرت فيها، نظرا للإقبال الذي حظيت به. وهناك رأي آخر في سنة صدورها سجله الباحث الهولندي E. van Donyel في مقال بمجلة العالم الإسلامي «die Welt des Islams» إذ يرى أن المذكرات ظهرت بداية في مدينة لايبزج الألمانية سنة 1885، ثم طبعت بعد ذلك في برلين.
•ألا يحتفظ الأرشيف الألماني بأصل المذكرات؟
لا يحتفظ الأرشيف الألماني بأصل المذكرات، وكذلك لم يعد هناك وثائق للطبعات الثلاث الأولى منها، وما يحتفظ به الأرشيف الألماني هو الطبعة الرابعة من المذكرات، وتحديدا في مكتبة الدولة ببرلين، ونسخة أخرى منها في جامعة هلّا بمقاطعة ساكسونيا الألمانية. وهي النسخة التي اعتمدتها الدكتورة سالمة صالح في ترجمتها التي نشرتها دار الجمل سنة 2002. شخصيا أرى أن لغة سالمة الألمانية لم تكن ترقى إلى تلك اللغة التي صدرت بها المذكرات رسميا، وأعتقد أن سالمة كتبت مسودة مذكراتها بما لديها من لغة وقتها وقام أحد ما بإعادة صياغة المذكرات بالصورة التي ظهرت عليها أثناء نشرها. وهناك إشارات تدل على ذلك لمحتها أثناء العمل على ترجمة كتابها الرسائل، فهناك وثائق من مراسلات سالمة إلى أصدقائها وأبنائها مؤرخة بعد صدور المذكرات.
•هل اللغة ركيكة؟
نعم.. تظهر لغة ركيكة تفصح عن تباين كبير بين مستوى لغة المذكرات التي تتغلف في كثير من المواضع باللغة الجزلة والأدبية وبين لغتها في رسائلها، الأمر الآخر الذي يؤيد ذلك أنها كانت تحكي في مواضع من كتابها الآخر رسائل إلى الوطن عن ضعف قدرتها الإنشائية في الكتابة باللغة الألمانية حتى وقت قريب من ظهور المذكرات 1886. وسيجد قارئ الرسائل ذلك واضحا. وهذا ما حصل أيضا على ما يبدو في الرسائل أيضا.
حيث صرح بذلك ناشر الكتاب بالألمانية السفير الألماني الأسبق في تنزانيا هاينز شنيبن، حيث نبه إلى أن النص الأصلي كانت فيه إشكالات لغوية نظرا لأن كاتبته لم تكن الألمانية لغتها الأم، فاضطر إلى إكمال لبعض الجمل وتصحيح للأخطاء. لم أرجع شخصيا إلى النسخة الأصل للرسائل وإنما اعتمدت على النص الذي نشره السفير الألماني عن دار PHILO الألمانية سنة 1999. ويجدر بالذكر هنا أن سالمة قد كتبت الرسائل قطعا بعد سنة 1888، وهي السنة التي مات فيها أخوها السلطان برغش. فقد نصت في رسائلها على موت برغش، ولكن لا يمكن الجزم تحديدا متى بدأت بكتابتها ومتى انتهت، فليس هناك شيء نستطيع الاستناد إليه في تحديد ذلك. فهل كتبتها في أثناء إقامتها بيافا وبيروت بعد رجوعها من زنجبار 1888 في محاولتها الثانية والأخيرة للرجوع إلى الوطن – لأنها لم ترجع إلى ألمانيا بل فضلت أن تقيم خارج ألمانيا بعدما خذلتها الحكومة الألمانية في تحقيق مطالبها في زنجبار، وقد عبرت عن ذلك في رسالة بعثتها إلى أصدقائها في ألمانيا يرجون منها الرجوع إلى ألمانيا، حيث ذكرت فيها أنه لم تعد لها ألمانيا وطنا-؟ أم كتبتها في سنواتها الأخيرة بعد رجوعها مرة أخرى إلى ألمانيا بعد وقت طويل سنة 1914 حينما حنّت إلى أحفادها، وهذا ما استبعده شخصيا وذلك لأمرين، أولا لكبر سنها فقد كانت تناهز السبعين عندما رجعت، وثانيا لم يكن أحد من أولادها يعرف بأمر الرسائل ولا سيّما ابنتها الصغرى روزالي التي قضت سالمة سنواتها الأخيرة في بيتها بمدينة يينا، فقد وجد أبناؤها مخطوط الرسائل في تركتها بعد وفاتها سنة 1924 ولم يكن لديهم علم به قبل ذلك، يبدو أنه على الأرجح إذن أنها كتبتها في أثناء إقامتها ببيروت، في الفترة ما بين 1888 و 1914.
•إذن ما اللغز وراء تأخر صدور الكتاب إلى مطلع التسعينات بالتحديد عام 1993؟
عندما وجد أولادها مخطوط الرسائل في تركتها، واطلعوا عليه أصابهم الذهول مما سجلته أمهم من مذكرات أليمة ومعاناة مريرة، فالرسائل تحكي تفاصيل ذلك الواقع الأليم الذي تعرضت له سالمة بعد فقد زوجها وتكشف الظروف الصعبة التي مرت بها. ولذلك حصل بينهم خلاف في مسألة نشرها، فقد أبدت ابنتاها تحفظا على ذلك، وكانت حجتهما أن نشر الرسائل سيظهر خصوصية الأم إلى العلن، ومن باب إنساني ينبغي عدم فعل ذلك، أو على الأقل ينبغي إجراء بعض التعديلات وحذف ما يلزم. يبدو أنه تم الاتفاق بين الإخوة بعد ذلك إلى أن تسلم مخطوطة الرسائل إلى المستشرق الهولندي بجامعة لايدن البروفيسور سنوك هُرْخرونيه. وفعلا قام ابنها سعيد بتسليمها إليه سنة 1929 مع ملاحظة كتابية نصها: «يُمنع نشر «رسائل إلى الوطن» دون إذن قبل 1 يناير 1940!». وهكذا بقي المخطوط بعيدا عن النشر حتى قام الباحث الهولندي E. van Donyel بنشرها سنة 1993 باللغة الإنجليزية مع سائر كتاباتها الأخرى وهي المذكرات ونص قصير من عشر صفحات تقريبا تكملة لمذكراتها تحكي فيه تفاصيل رحلتها الثانية إلى زنجبار بعد موت أخيها برغش 1888، ونص قصير أيضا عن عادات وتقاليد سورية رصدت فيه الحالة الاجتماعية آنذاك. ثم قام بعدها السفير الألماني الأسبق في تنزانيا هاينز شنيبن بنشر الرسائل مستقلة سنة 1999 مع مقدمة وخاتمة طرق فيها قضية تحول سالمة من السيدة سالمة إلى إميلي رويته وأوضح أهمية الرسائل باعتبارها وثيقة لحياة سالمة وعصرها (1867-1884)، كما كشف عن المصادر التي استند إليها في عمله، وهي مادة جيدة للدارسين والمهتمين بسالمة وإرثها الكتابي.
•كيف نظرت أميلي رويته إلى السيدة سالمة؟ بمعنى كيف نظرت ما صارته إلى ما كانت عليه من خلال مقارنة بين العالمين؟
لم تكن سالمة في رأيي تتوقع أن يحدث ما حدث، ولم يدر في خلدها أنها ستهاجر وطنها زنجبار يوما ما. فابنة الاثنتين والعشرين سنة لم يكن لها أن تفارق بحبوحة العيش الذي كانت فيه إلا خوفا على حياتها بعدما كشف أمر حملها من التاجر الألماني هاينريك رويته. ففرت إلى المجهول تاركة وراءها كل شيء واتجهت إلى عدن، حاول أخوها السلطان ماجد أن يحتوي الأمر فحاول بكل الطرق الدبلوماسية أن يرجعها إلى زنجبار، ولكن سالمة ستضحي الآن بكل شيء حتى لا ترجع وتلاقي مصيرها المحتوم، فأعلنت اعتناقها للنصرانية ولبست اللباس الأوروبي لتقنع القنصل البريطاني أنها أصبحت منهم، عندها رفض القنصل محاولات ماجد لإرجاعها وسهل عملية هربها. انتظرت في عدن إلى حين مجيء زوجها الذي كان وقتها لا يزال في جزر سيشل بالمحيط الهندي، وتم تعميدها وتعميد ابنها، وبوصول زوجها تم إقامة حفل الزواج في إحدى الكنائس في عدن ورحلا متجهين إلى ألمانيا في نفس اليوم عبر البحر الأحمر في يونيو 1867. هنا بدأت سالمة عالما آخر لا يمت إليها بصلة، عالما لم تكن تفكر يوما أنها ستفر إليه، عالما مختلفا وغريبا عنها، ظلت فيه سنين جسدا وكانت روحها في زنجبار. لم تستطع سالمة أن تتأقلم وتتكيف مع هذا العالم الجديد كليّا، وزادت معاناتها بفاجعة موت زوجها بعد ثلاث سنوات فقط من وصولها إلى الشمال، فاشتدت أزمتها وكان لديها ثلاثة أطفال صغار، فكافحت كفاحا مريرا ذاقت فيه ألم الغربة والوحدة وفقدان النصير، وتبدل حالها من بعد غنى وسعة إلى فقر وضيق، وأي فقر؟ بلغ بها الحال أن ترتق جواربها وجوارب أولادها برقع جلدية متهتكة بالية وتطعم أولادها رغيف الخبز الأسود الجاف. حاولت أن تعيش لأولادها وتقيهم عوادي الزمان، فانتقلت من مدينة إلى أخرى هربا من الفقر المحدق بها، ولم تطق العيش في هامبورج مدينة زوجها لما ساء وضعها المالي فانتقلت وودعت قبر زوجها وذكرياتها معه إلى غير رجعة، فشبح الفقر أخذ يطاردها في عالم مادي بارد لا شفقة فيه. كل هذه الأحداث الشائكة والصادمة سيجدها القارئ ويعاينها عند قراءته لفصول الرسائل.
•هل تطرقت في هذا الكتاب إلى قصة المولود الذي ولدته في اليمن ثم توفي في الطريق من صعوبة الرحلة عبر البحر الأحمر.. وكيف تنظر من خلال رسائلها أو تكملة مذكراتها لهذا الحدث؟
هذه المسألة الشائكة في رأيي هي السبب في كل ما حدث لسالمة، فلولاها لما حدث ما حدث. ورغم كل ذلك أخفت سالمة هذه المسألة الحساسة وأطبقت عليها بصمت حتى وفاتها، ولم تتعرض إليها في الرسائل أبدا، وأخفت ذلك عن أبنائها أيضا، فمن اللافت أن يذكر ابنها سعيد في سيرته المقتضبة – التي سجلها في ملحق محاضرته التاريخية والمدونة عن سلالة البوسعيد والتي ترجمها الدكتور عبد المجيد القيسي – أنه الابن الوحيد لسالمة! حسبما تشير إليه الوثائق الرسمية أن وفاة هذا الابن كانت في طريق الرحلة إلى الشمال في فرنسا يوم 24 من يونيو سنة 1867 في القطار بين مدينة ليون وباريس، وذلك حسبما أفاد به جدّه لدى مكتب تسجيل الوفيات بهامبورج بتاريخ 30/‏‏6/‏‏1867.
•من خلال سياق مقدمة الناشر.. هل نتبين أن ابنتها أو أبناءها تدخلوا في النص الأصلي المكتوب وغيروا فيه أو حذفوا ما رأوا أنه يستحق الحذف؟
اتفق أبناؤها في الأخير على تسليم النص، كما ذكرت، إلى صديق العائلة المستشرق الهولندي على ألا ينشر دون إذن قبل الأول من يناير لسنة 1940، وقد سلم النص كما هو دون تدخل.
•هل تبين لديك حول ما إذا كانت هذه الرسائل موجهة إلى صديقة حقيقية أم لا؟
الراجح أنها شخصية وهمية، فهي صديقة افتراضية من زنجبار، ولكن لو كانت حقيقية لما خاطبتها بلغة ألمانية لا تفهمها. يبدو أنها كانت تريد أن توصل رسائلها إلى أولادها بعد موتها، ويبدو أنها أخفت عنهم في حياتها كل تلك التفاصيل المؤلمة، وتركت لهم معرفة ذلك والاطلاع عليه بعد وفاتها.
• تحدثت في مقال لك نشر في مجلة نزوى أن السيدة سالمة حضرت في بعض الأعمال الروائية الأوروبية.. هل لك أن تسلط لنا الضوء على هذا الجانب.. ما هذه الروايات وهل ترجم شيء منها إلى العربية؟
نعم، أولى الأوروبيون وخاصة الألمان اهتماما بسالمة تجسد في نشر مذكراتها ورسائلها وترجمتها، كما كان لها حضور في أعمال روائيين لهم سمعتهم في الوسط الأدبي من أمثال الروائية الألمانية نيكولا تسي فوسلر في عملها الروائي «نجوم على زنجبار، 2010» سلطت الضوء عليه في مقال نشرته بجريدة الزمن، ورواية «دي كاديتن، طلاب الكلية الحربية، 1957» للكاتب إرنست فون سالومون، ورواية « زنجبار بلوز، أو كيف اكتشفتُ ليفينغستون، 2008» للروائي هانس كريستوف بوخ، والرواية الإنجليزية «ريح التجارة، 1982» لماري إم كيه، وقد ترجمت إلى اللغة الألمانية بعنوان «جزيرة في العاصفة»، وهناك عمل روائي آخر للكاتب والأديب السويسري لوكاس هارتمان بعنوان «وداع زنجبار، 2013».
• بعد كل هذه السنوات هل صارت كل وثائقها متاحة في الأرشيف الألماني أم ما زالت هناك وثائق تحمل الطابع السري حتى الآن؟ خاصة ما يتعلق بمحاولات ألمانيا في زمن بسمارك توظيفها لأسباب سياسية تتعلق بأطماع الاستعمار والتنافس على زنجبار؟
هناك الكثير من الكتابات التاريخية والسياسية التي تتحدث عن الفترة التي عاشت فيها السيدة سالمة والتي تزامنت مع القيصر فيلهلم الأول والثاني والمستشار بسمارك بشكل عام، متاحة بين أيدي القراء وتحوي الكثير من الوثائق، ومن أهمها كتاب يوليوس فالدشميت بعنوان: «القيصر والمستشار والأميرة، مصير امرأة بين الشرق والغرب، 2006»، وكتاب ليونارد نيسين ديترس بعنوان: «امرأة ألمانية في الخارج ومناطق النفوذ، 1913» يتحدث فيه أيضا عن السيدة سالمة، ولا ننسى أيضا كتاب السفير الألماني هاينز شنيبن «زنجبار والألمان، علاقة خاصة (1844-1966)». أما ما يتعلق بتركة سالمة الأدبية فهي ملك جامعة لايدن بهولاندا التي هي من ضمن مقتنيات المستشرق الهولندي صديق سالمة البروفيسور سنوك هروخرونيه، وهي متاحة أيضا، وتحتوي على جميع أنشطتها الكتابية التي نشرها الباحث الهولندي E. van Donyel ، وتتضمن أيضا رسائل وأجوبة بين سالمة وصديقها المستشرق ورسائل أخرى لها أيضا، وكذلك رسائل لأبنائها مع بعض الصور الوثائقية. كما تحتفظ بعض المكتبات الألمانية بنسخ من الطبعات الأولى للمذكرات ومخطوطات رسائل، قمتُ بنشرها في الكتاب مع ترجمة لها.
• ما التفاصيل المتاحة حول الفترة التي قضتها السيدة في بيروت؟
أوضحت سابقا هذه النقطة، هناك بعض الوثائق من رسائل وصور في أثناء فترة إقامتها في بيروت ويافا قمت بإدراجها في ملحق خاص بالوثائق والصور، مع ترجمة لها.
• بخصوص كتاب العادات والتقاليد السورية.. على أي أساس كتب هذا الكتاب.. وما علاقتها بالعادات والتقاليد السورية؟
هو ليس كتابا، وإنما نص قصير من ثماني صفحات تقريبا، سجلت فيه بعض ملاحظاتها عن الوضع الاجتماعي آنذاك في بيروت ويافا وسوريا، سأنشره قريبا على شكل مقال…
• هل ترى أن «مذكرات أميرة عربية » وجدت من يترجمها بشكل دقيق؟
في رأيي لا تزال لم تحظ بترجمة تستحقها. فرغم الترجمتين اللتين تم نشرهما إلا أنهما لم تنظرا إلى المذكرات على أنها وثيقة تأريخية، ينبغي تقديمها للقارئ كما هي في الأصل دون زيادة عليه أو نقصان أو تحريف، فالأستاذ القيسي زيادةً على أنه ترجمة عن غير اللغة الأصل كان يتصرف في النص ويحاول تلطيف العبارات قليلا خوفا من أن يصدم القارئ، وقد بينت سالمة صالح شيئا من ذلك في مقدمتها، وفي الحقيقة وقعت هي أيضا في الشيء الذي انتقدت فيه الأستاذ القيسي، ربما كانت تخشى على القارئ من الصدمة، ولكن ذلك ليس مبررا لتلطيف العبارة أو محاولة تخفيف وقعها عليه دون الإشارة في أقل تقدير إلى هذا التغيير في مضمون النص أو التنبيه على ذلك في مقدمة الكتاب مثلا، فمثل هذه الأعمال، في رأيي، وثائق ينبغي التعامل معها بحذر، فعليها يعول كثير من الدارسين والمهتمين ويبنون حولها آراءهم. وحتى أوضح المسألة هنا أسوق هذا المثال، ليتضح كيف تعامل كل من المترجمَين مع عبارة مهمة في النص الأصلي، سأضع النص الأصلي بين يدي القارئ وسأقوم بترجمته، ثم سأعرض نص المترجمين:
النص الأصلي هو:
«Im Jahre 1871, nach dem Tod meines Manes ließ sie mir noch schreiben, da sie selbst des Schreibens unkundig, ich solle ihr eines von meinen Kindern schicken, welches sie adoptieren wolle. Ich konnte nicht darauf eingehen, hätte doch dasselbe den Islam annehmen müssen.»
ترجمته: «في سنة 1871 بعد موت زوجي أوعزت بالكتابة إلي، لأنها لم تكن تعرف وحدها الكتابة، بأن أرسل إليها أحد أطفالي لتتبناه. لم أستطع أن افعل ذلك إذ سيتوجّب عليه اعتناق الإسلام.»
ترجمة القيسي: «وقد اقترحت علي بعد وفاة زوجي عام 1871 أن أرسل إليها أحد أطفالي لتتبناه، ولكن لم يهن علي فراق أحد منهم.»
ترجمة سالمة صالح: «عام 1871 بعد موت زوجي أوعزت بالكتابة إلي، فلم تكن هي تحسن الكتابة، أن علي أن أرسل لها أحد أبنائي لتتبناه.
لكنني لم أستطع أن أستجيب لذلك، إذ سيكون عليه القيام بما لا يناسب قناعاته».

الخميس، 25 سبتمبر 2014

سلسلة المستشرقين 6- أناماري شيمل عميدة المستشرقين الألمان


أناماري شيمل باحثة ألمانية في الشؤون الإسلامية، ولدت عام 1922 بمدينة إرفورت بألمانيا، كان أبوها موظفا في البريد، ومهتما بالفلسفة والتصوف، أما أمها فكانت تنتمي إلى عائلة من البحّارين. بدأت تتعلم العربية على يد المستشرق الألماني هانس إلينبرج وهي طالبة في الخامسة عشرة من عمرها، وفي الوقت نفسه كانت تُدَرِّس اللغة الألمانية في جامعة فريدريش شيلر بمدينة ينا. وقد تم تقفيزها سنتين وبذلك أنهت الثانوية العامة وهي في السادسة عشرة. بدأت عام 1939 بعد ستة أشهر من الخدمة التطوعية بدراسة الكيمياء والفيزياء في جامعة فريدريش فيلهلم سابقا (جامعة هومبولت حاليا) ببرلين، وكانت تحضر مستمعةً أيضا محاضرات تاريخ الفن الإسلامي واللغة العربية، حصلت عام 1941 على الدكتوراه بدرجة امتياز من جامعة برلين حول مكانة الخليفة والقاضي في مصر في العصور الوسطى المتأخرة، وقد نُشرت عام 1943 أيضا في كتاب "عالم الإسلام". عملت حتى نهاية الحرب مترجمة في وزارة الخارجية الألمانية. اعتقلتها السلطات الأمريكية في ماربورج مع باقي موظفي الخارجية من مايو 1945 حتى سبتمبر. حصلت على دكتوراه ثانية عام 1951 في موضوع تاريخ الأديان بإشراف فريدريش هايلر وكان عنوان الأطروحة دراسات حول مفهوم الحب الصوفي في التصوف الإسلامي المبكر من جامعة ماربورج. عينت من عام 1953 حتى 1954 أستاذا منتدبا في جامعة ماربورج. وأصبحت عام 1961 محاضرا منتدبا في اللغات الشرقية في جامعة بون، كانت أحد أعضاء هيئة التدريس في جامعة هارفارد في كامبرج بالولايات المتحدة الأمريكية (1967-1992)، وقد وكل إليها مهمة تأسيس معهد للثقافة الإسلامية الهندية، ومن ثَمّ أصبحت سنة 1970 أستاذة متخصصة في الثقافة الإسلامية الهندية بجامعة هارفارد.
درّست بصفتها أستاذة أو محاضرة في مؤسسات مختلفة منها كلية الإلهيات بأنقرة، وفي المعهد الإسلامي بلندن (1982-1983)، وفي جامعة إدنبرة (1992-1993). وقد وصفت باكستان بأنه وطنها الثاني، وفي لاهور تم تسمية معهد جوته السابق باسمها.
وقد نشرت أناماري شيمل أكثر من مائة كتاب ومقال ومنشور علمي. منحت عام 1995 جائزة السلام التي يمنحها اتحاد الناشرين الألمان سنويا بالتزامن مع معرض فرانكفورت للكتاب. وقد أثار منحها للجائزة جدلا واسعا في ألمانيا، وكان من ضمن المعارضين كُتّاب من أمثال يوهانس ماريو سيمل، وتسليمة نسرين، ورالف جيوردانو، وأليس شفارتسر، وإلفريدي يلينيك، غونتر فالراف، وبسام الطيبي. كما احتجت 270 دار نشر وما يقرب من 300 مكتبة تجارية على منحها الجائزة؛ لأنها أعربت في مقابلة تلفزيزنية عن تفهما لغضب العالم الإسلامي من رواية الآيات الشيطانية للكاتب البريطاني الهندي سلمان رشدي.
وأثارت بذلك جدلا واسعا في المشهد الأدبي، وتعرضت لهجوم من الكاتبة والطبيبة البنجالية تسليمة نسرين، كما وجه إليها تلميذها السابق جيرنوت روتر هجوما شديدا. وتوجه عدد من الكتاب والمشاهير ودور النشر وأصحاب المكتبات برسالة مفتوحة إلى الرئيس الألماني رومان هرتسوغ من أجل حجب الجائزة عنها. ونتيجة لذلك اجتمعت لجنة التحكيم مرة أخرى، ومع ذلك جرت مراسم تسليم الجائزة، وشفع لشيمل أنها لم تكن ذات توجه سياسي.
بذلت أناماريا شيمل حياتها لتقديم فهم أفضل عن الإسلام في الغرب ومن أجل التعايش السلمي بين المسلمين وغير المسلمين. وفي هذا السياق أعادت مرة أخرى إحياء مكانة المستشرق والشاعر والمترجم الألماني فريدريش روكرت الذي يعد أهم ناقل للآداب الشرقية إلى الألمانية. وكانت هي نفسها مهتمة بالتصوف الإسلامي وكان شاعرها المفضل محمد إقبال. وقد نفت مرارا زعم اعتناقها للإسلام وتسمّيها باسم جميلة.
وقد سُمّي شارع في مدينة لاهور الباكستانية باسمها. وأقيمت مراسم جنازتها في كنيسة الصليب البروتستانتية بمدينة بون في الرابع من فبراير سنة 2003.
تم تكريم شيمل في محافل عدة ونالت جوائز مرموقة، من بينها:
1965: جائزة فريدريش روكرت من مدينة شفاينفورت.
1980: جائزة يوهان هاينريش فوس للترجمة من الأكاديمية الألمانية للغة والشعر.
1983: الهلال الفخري من جمهورية باكستان الإسلامية.
1989: وسام الاستحقاق من جمهورية ألمانيا الاتحادية.
1990: البومة الذهبية من جمعية سقراط.
1992: جائزة الدكتور ليوبولد لوكاس من جامعة توبنغن.
1995: جائزة السلام لاتحاد الناشرين الألمان.
1996: وسام الاستحقاق المصري للفنون والعلوم من الدرجة الأولى.
1997: عضو فخري في المركز الإسلامي في ألمانيا.
2001 جائزة روشالن لمدينة بفورتسهايم.
2002: وسام دوستليك من جمهورية أوزبكستان.
2002: جائزة محمد نافع  الشلبي الإعلامية.
2005: خُلد ذكرها في "ممشى المشاهير" في شارع بونجاسّا بمدينة بون.
مختارات من أعمالها:
-          الخليفة والقاضي في أواخر القرون الوسطى مصر. أطروحة. جامعة لايبزيغ 1943.
-          التهويدات (هدهدات النوم). هولتزمندن 1948
-          دراسات حول مفهوم الحب الصوفي في الإسلام. أطروحة. جامعة ماربورغ 1954.
-          باكستان - قلعة بألف بوابة. زيوريخ 1965.
-          الأبعاد الصوفية في الإسلام. تاريخ التصوف (العنوان الأصلي: أبعاد صوفية للإسلام، Mystical dimensions of Islam). الجزيرة، فرانكفورت 1995، (الطبعة الألمانية بواسطة Diederichs، كولونيا 1985).
-          ترجمة وتحرير: الحلاج: "أيها الناس، أنقذوني من الله" (أبو المغيث الحسين بن منصور الحلاج). هيردر، فريبورج/ بازل/ فيينا عام 1985. (طبع هيردر، فريبورج / بازل / فيينا عام 1995).
-          جلال الدين الرومي: أنا الريح وأنت النار. سيرة الصوفي ونتاجه. كولونيا 1978 (طبع: Diederichs، كولن عام 2003)
-          الإسلام في شبه القارة الهندية. بريل، ليدن 1980.
-          ... وأن محمدا رسول الله. تبجيل النبي في التدين الإسلامي. Diederichs، دوسلدورف 1981.
-          تحرير: القِطّ الشرقي. Diederichs، كولن 1983). (ط 3. هيردر، فريبورج/ بازل/ فيينا 1996).
-          تحرير: مقدمة وملاحظات في القرآن. (مكتبة Reclam العالمية. رقم. 4206). (العنوان الأصلي: ترجمة القرآن من العربية لماكس هينينج). Reclam، شتوتغارت 1990.
-          دين الإسلام: مدخل. (مكتبة Reclam العالمي، رقم 18659 كتاب Reclam للخيال). ط 11Reclam .، شتوتغارت. (الطبعة الأولى بعنوان الإسلام، 1990).
-          جبال، صحارٍ، مقدسات. رحلاتي إلى باكستان والهند. dtv، ميونخ 1994.
-          منامات الخليفة. المنامات وتفسيرها في الثقافة الإسلامية. بيك، ميونخ 1998.
-          الغناء والانتشاء. النصوص الصوفية من الإسلام في الهند. Kösel، ميونيخ 1999.
-          في إمبراطورية المغول العظيم. التاريخ والفن والثقافة. بيك، ميونخ 2000.
-          الجنة الصغيرة. الأزهار والحدائق في الإسلام. هيردر، فرايبورغ، 2001.
-          السنة الهجرية. الأزمنة والأعياد. (سلسلة بيك). ط3. بيك، ميونخ 2011. (الطبعة الأولى 2001)
-          الشرق والغرب. حياتي الغربية الشرقية. سيرة ذاتية. بيك، ميونخ 2002. (ترجمها إلى العربية د. عبد السلام حيدر ونشرها في المشروع القومى للترجمة بالقاهرة تحت عنوان "شرق وغرب: حياتى الغرب - شرقية" (2004) التي تضمنت عرضا لتنوع جهودها العلمية ولرحلاتها (إلى المؤتمرات والمحاضرات) عبر أوروبا وأميركا الشمالية وأندونيسيا والباكستان وتركيا والهند وإيران وأفغانستان والدول العربية ودول وسط آسيا،،، من الويكيبيديا).
وقد ترجمت بعض كتبها الأخرى أيضا إلى العربية مثل:
-          الأبعاد الصوفية في الإسلام، وتاريخ التصوف. ترجمة: محمد إسماعيل السيد ورضا حامد قطب، دار الجمل.
https://docs.google.com/file/d/0B5ouQ_Ym2-loSG9LUEllcG1maUE/edit
-          أناماري شيمل، نموذج مشرق للاستشراق، ترجمة وتعليق: ثابت عيد، تقديم د. محمد عمارة، دار الرشاد.
-          الجميل والمقدس، تحقيق وترجمة: عقيل يوسف عيدان، الدار العربية للعلوم ناشرون https://docs.google.com/file/d/0B4tdKbWs3AxXWFN2OFl6OTlrUEk/edit